2010/01/19

الحلم الأفريقي وتصاعد العنف العنصري في روسيا

تعصف موجة من الكراهية العنصرية بالأفارقة في روسيا.  ويفحص (ماكسيم ماتوسيفيتش) جذور هذه الكراهية في مقالته Probing the Limits of Internationalism: African Students Confront Soviet Ritual، المنشورة في عدد خريف ٢٠٠٩ من مجلة Anthropology of East Europe Review والمتاحة للتنزيل مجاناً.

اتجهت أعداد متزايدة من الشباب الأفارقة إلى الاتحاد السوفييتي للدراسة في الستينات من القرن العشرين.  سعى الاتحاد السوفييتي إلى اجتذاب الطلاب الأفارقة لتعزيز مكانته وشعبيته في العالم الثالث في فترة إنهاء الاستعمار، في ظل حكم نيكيتا خروشوف الذي تولى السلطة في عام ١٩٥٣ بعد موت جوزيف ستالين.  وتعارضت هذه السياسة الجديدة مع الشوفينية المتشددة التي كانت قد اتسمت بها السنوات الأخيرة لحكم ستالين.  فذهب أكثر من ٣٠ ألف شاب من أنحاء العالم إلى موسكو لحضور المهرجان الدولي للشباب في عام ١٩٥٧، ومنهم وفود أفريقية، الأمر الذي بهر المواطنين السوفييت، الذين لم تسنح لهم فرصة لقاء أحد من أفريقيا قط.  ترددت شائعات بأن الفتيات الروسيات كن يقبلن على الضيوف الأفارقة.  وأتى هؤلاء الضيوف بالأنواع الفنية والأفكار السياسية المعاصرة التي كان السوفييت منعزلين عنها آنذاك.  ارتفع عدد الطلاب الأفارقة في الاتحاد السوفييتي إلى ٥ آلاف في نهاية الستينات، وإلى ٣٠ ألف في عام ١٩٩٠.  ولم يكن معظمهم ملتزمين بالماركسية، بل كانوا يميلون إلى انتقاد النظام السوفييتي الراكد، خاصة وأن كثيراً منهم أتوا من بلاد تفيض بالنشاط السياسي والحماسة الثورية.

اشتكى الطلاب الأفارقة من سوء أوضاعهم المعيشية، والاعتداءات العنصرية التي تعرضوا لها، بالإضافة إلى القيود المفروضة على السفر داخل الاتحاد السوفييتي، وعلى إقامة العلاقات العاطفية بالفتيات الروسيات، وعلى تشكيل المنظمات الطلابية الوطنية والعرقية، وعلى تداول الكتب والأسطوانات الموسيقية.  فقاموا بمسيرة احتجاج أمام الكرملين في عام ١٩٦٣ مطالبين بـ« وثيقة حقوق » للطلاب الأفارقة، وكانت هذه أول مظاهرة غير مصرح بها في الاتحاد السوفييتي منذ ٣٦ عاماً.  وعانوا بشكل عام من ملل الحياة السوفييتية وكبت الحريات الثقافية والسياسية التي كانوا قد تعودوا عليها في أفريقيا.  فاعترضوا على الوضع الراهن في حين كان مواطنون سوفييت أقلاء يجرؤون على ذلك، فاستقطبوا المعارضين.  واستحسن هؤلاء المعارضون الأنواع الفنية المرتبطة بالتراث الأفريقي، مثل موسيقى الجاز، مما أثار غضب السلطات، التي هاجمت الجاز بأبشع نوع من الصور النمطية العنصرية.  فتبنّى المعارضون فكرة أفريقيا رمزاً للمعارضة، خاصة في الثمانينات، قُبيل انهيار النظام السوفييتي.

ولكن البيريسترويكا، أي الإصلاحات الاقتصادية التي أطلقها الرئيس السوفييتي ميخائيل غورباتشوف بعد منتصف الثمانينات، أدت إلى انتقاد مساعدة الاتحاد السوفييتي لدول العالم الثالث.  فقال أنصار البيريسترويكا أن هذه الدول كانت تتطفل على الاتحاد السوفييتي، وأن هذا هو سبب التخلف الاقتصادي السوفييتي.  واستندت هذه الحجة على صور نمطية لأفريقيا كانت معتمدة على الاعتقاد الخاطئ بأن الحياة هناك سهلة لا عمل فيها.  ازداد عدد الاعتداءات العنصرية على الطلاب الأفارقة.  وعندما تفشى الخوف من الإيدز لدى السوفييت، دأبت الصحافة على نشر معلومات غير علمية تحمّل الأفارقة مسؤولية انتشار المرض.  سرعان ما أصبح الأفارقة كبش فداء للمشاكل الطبية والاقتصادية والسياسية السوفييتية.  ومهّد هذا لانسحاب الاتحاد السوفييتي من أفريقيا ولموجة العنصرية وكره الأجانب التي انطلقت في روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

هناك 4 تعليقات:

P JAZZMAN يقول...

د.
وإنهُ لشرف لنا أن نتواصل علمياً
تشكرات طيّبة غير مثاليّة أيها العزيز

ومقال يستحق الاستمرار في البحث

إعتبرنا قارئاً لك دائماً وناقداً

بنجامين غِير يقول...

عزيزي عماد،

شكراً جزيلاً على تشجيعك الكريم، واعتبرني قارئاً لك أيضاً.

مع أطيب التمنيات

أحمد نظير الأتاسي يقول...

شكراً على حضورك على مدونتي ودعوتك لي لزيارة مدونتك. أصبح للمدونات عادات ضيافة على الطريقة العربية، والله لازم تشرب قهوة أو حاجة ساقعة!.
فكرة رائعة، اطلاعاتك متنوعة ومثيرة للأفكار. لكن نحب أن نسمع آراءك أيضاً.

بنجامين غِير يقول...

سكراً يا أحمد، ويا ريت نشرب قهوة أو حاجة ساقعة مع بعض! معنى تلخيصي لبحث أني أرى أنه معقول، ولكني لا أقول آرائي بالتفاصيل لتوفير الوقت أثناء كتابتي لرسالة الدكتوراة. أعجبتني على وجه الخصوص هذه المقالة عن الأفارقة في روسيا، ربما لأنها ذكرتني برواية « الحب الإنساني » الجميلة التي يتناول فيها (أندريه ماكين) نفس الموضوع.