2010/08/03

إضافات: المجلة العربية لعلم الاجتماع

أريد أن أنبه قراء هذه المدونة إلى مجلة « إضافات: المجلة العربية لعلم الاجتماع »، الصادرة على الإنترنت مجاناً عن مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت.  ولفتت نظري، في عدد الشتاء لعام ٢٠١٠، مقالة « الدولة القومية غير المرنة والمواطَنة المرنة في الوطن العربي » بقلم ساري حنفي، ومقالة « نحو سوسيولوجيا للعموم » بقلم مايكل بوراووي.

2010/07/21

الدراسة في الخارج قد تجعل المرء أقل قومية وأكثر عالمية

لقد درس كثير من الزعماء الصينيين في الخارج منذ أواخر القرن التاسع عشر.  يعود حالياً بين ٤٠ ألف و٥٠ ألف طالب صيني من الدارسة في الخارج في كل سنة، ويزداد انضمامهم إلى النخبة السياسية والأكاديمية والثقافية والاقتصادية.  هل رؤيتهم للأشياء أقل قومية وأكثر عالمية من رؤية من لم يدرس في الخارج؟  يجيب (دونگلين هان) و(دافيد تسفايگ) على هذا السؤال بالإيجاب في مقالهم Images of the World: Studying Abroad and Chinese Attitudes Towards International Affairs، الصادر في عدد يونيو ٢٠١٠ من مجلة The China Quarterly.  ويريان أن من شأن هذا أن يؤثر على السياسة الخارجية الصينية.

أجرى المؤلفان دراسة استقصائية لآراء الخريجين الذين درسوا في اليابان وكندا خلال الـ١٥ سنة الماضية، ثم قارنا بين نتائج هذا البحث وبين نتائج بحث آخر عن آراء الطبقة الوسطى الصينية عامة.  ويؤكدان أنه تبين أولاً أن مشاعر العائدين تجاه البلد الذي استضافهم أكثر ودياً من مشاعر غيرهم تجاه نفس البلد.

ثم يتطرقان إلى الآراء فيما يتعلق بالسياسة الخارجية.  يعزوان هذه الآراء إلى رؤيتين أساسيتين: الرؤية العالمية التعاونية والرؤية القومية.  تعكس الرؤية العالمية التعاونية استعداد المرء لمساعدة الشعوب الأخرى، وقيست في البحث بالموافقة على مزيد من المساعدات الصينية للدول الفقيرة.  أما الرؤية القومية فهي تنظر إلى الأجانب على أنهم يهددون مصالح الصين وهويتها، وتعزو ضعف الصين إلى استغلال القوى الخارجية لها وإلى تسلل الثقافات الأجنبية إليها، فتهدف إلى انخراط حذر في الشؤون الدولية، تجنباً للإهانات الممكنة.  ويقسم المؤلفان القومية إلى قومية سياسية وقومية اقتصادية.  قيست القومية السياسية في البحث بالموافقة على هاتين الجملتين: « ينبغي أن يؤيد كل شخص وطنه حتى إذا رأى أن وطنه مخطئ » و« ينبغي أن نكون مستعدين لاستخدام القوة العسكرية لحماية مصالحنا الوطنية ».  وقيست القومية الاقتصادية بالموافقة على هاتين الجملتين: « ينبغي أن نحد من الواردات لنحمي اقتصاد وطننا » و« ينبغي أن نمنع الأجانب من شراء الشركات الكبيرة في القطاع العام ».

أظهرت نتائج البحث أن العائدين من كندا واليابان يعتنقون رؤية عالمية تعاونية إلى حد كبير.  أما القومية فإنهم ميالون إلى القومية السياسية، غير أنهم يفضّلون التجارة الحرة على القومية الاقتصادية في الغالب.  ومن الملاحظ أن القومية السياسية أشد عند من درس في اليابان منه عند من درس في كندا، ويرى الباحثان أن هذا قد يكون نتيجة لتأثير السلامية اليابانية.

وبالمقارنة بالطبقة الوسطى الصينية، فإن العائدين من الدراسة في الخارج أميل إلى الرؤية العالمية التعاونية، وأقل قومية.  يرى المؤلفان أنه من المحتمل أن يرجع ذلك إلى الدراسة والإقامة في الخارج، ولكن لا يمكنهما استبعاد فرضية أن أصحاب الرؤية العالمية أميل من غيرهم إلى السفر أصلاً.  ويشيران إلى أن العائدين أقلية صغيرة، وأننا لا نعرف ما إذا كانوا سيؤثرون في سياسات الدولة.  ولكن تاريخ الصين الحديث يدل على التأثير الكبير الذي أحدثه الطلاب الذين عادوا إلى الصين بعد الدراسة في الخارج فيما مضى.

2010/06/28

هل تصنع الأحزاب الانقسامات الاجتماعية؟

يشير (سيدريك دي ليون) و(مانالي ديساي) و(جهان طوغال)، في مقالتهم Political Articulation: Parties and the Constitution of Cleavages in the United States, India, and Turkey، الصادرة في عدد سبتمبر ٢٠٠٩ من مجلة Sociological Theory والمتاحة للتنزيل مجاناً، إلى أن الأبحاث الاجتماعية غالباً ما تفترض أن طبيعة الأحزاب السياسية تعكس طبيعة الانقسامات الموجودة في المجتمع.  يتشكك المؤلفون في هذا الافتراض، ويحاولون إثبات العكس، أي أن الانقسامات لا توجد قبل أن تبنيها الأحزاب.

يركزون على ثلاثة مشروعات سياسية حديثة: إنشاء الأحياء المتجانسة عرقياً في الولايات المتحدة، والتعبئة الإسلامية في تركيا، والقومية الهندوسية في الهند.  لقد أدى كل من هذه المشروعات إلى تكوين مجموعة عرقية أو عرقية-دينية.  فيسأل المؤلفون: لماذا ظهرت هذه المجموعات دون غيرها؟  ويؤكدون أن كلها تبلورت بفضل جهود أحزاب معينة: الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة، وحزب العدالة والتنمية في تركيا، وحزب (بهاراتيا جاناتا) في الهند.

يذكرون أن في العلوم الاجتماعية تياراً « متمركزاً على الدولة » يرجع إلى عالِم الاجتماع (ماكس فيبر).  يعرّف هذا التيار الدولة على أنها مؤسسة تحتكر وسائل القسر في إقليم معين، ويرى أن الدولة الحديثة استقلت عن المجتمع، فتنتهز موقعها بين الطبقات، بالإضافة إلى موقعها في النظام الدولي، لاستخراج الموارد وتعزيز قدراتها الإدارية.  ينتقد المؤلفون هذا التيار، بناءً على مقالة مشهورة لـ(تيموثي ميتشيل) أشار فيها إلى أن فكرة الدولة تركيب سياقي في حد ذاتها، فالحدود بين الدولة وبين المجتمع ليست معطاة، وإنما يتم تحديد معنى « الدولة » ومعنى « المجتمع » حسب سياق الحديث.  فيؤكد المؤلفون أن الأحزاب تلعب دوراً مهماً في تحديد هذه المعاني.

ثم يتطرقون إلى نظريات الحركات الاجتماعية.  تعزو نظرية « الفرص السياسية » التغيير السياسي إلى انقسامات داخل النخبة الحاكمة، واستراتيجيات هذه النخبة واستعدادها لاستخدام العنف ضد المعارضة.  أما نظرية « تعبئة الموارد » فإنها تركز على قدرة النشطاء على تراكم موارد من شأنها أن تفيد نشاطهم السياسي.  لا تلعب الأحزاب دوراً مهماً في هاتين النظريتين.  غير أن تناولاً آخر نشأ في الآونة الأخيرة يأخذ في الاعتبار ما يسمى « التأطير »، فيفترض أنه لا يمكن أن تنجح أي حركة اجتماعية دون أن تقدم خطاباً يطابق الـ« أطر » المفهومية التي يتصور بها جمهور الحركة مظالمه.  يوافق المؤلفون على أهمية التأطير في نجاح التعبئة، ولكنهم لا يعتبرون المظالم معطاة، وإنما يقولون إن كل حزب يعرّف المظالم بطريقة تناسب مشروعه السياسي.

وبناءً على فكر الفيلسوف الماركسي (لوي ألتوسير) فإنهم يؤكدون أن الأحزاب (والمنظمات السياسية بشكل عام) تبني المظالم من خلال تصنيف الأفراد وفق معايير أيديولوجية، وأن الناس ليس لهم مظالم أو قضايا واضحة محددة خارج هذه العملية.  وعلاوة على ذلك فإن أحزاباً متنافسة قد تصنف نفس الشخص وفق مسميات مختلفة، مثل المسلم المظلوم، أو العاطل عن العمل، أو البروليتاري، مما يؤدي إلى نتائج سياسية مختلفة.  هكذا تكوّن الأحزاب فئات اجتماعية، من خلال إقناع الأفراد بتصنيف أنفسهم بطرق معينة.  ومعنى ذلك ليس أن الأحزاب تستطيع أن تبني الانقسامات الاجتماعية كما تشاء، بغض النظر عن الظروف الاقتصادية والقواعد المؤسسية وما إلى ذلك، بل أنها تلعب دوراً رئيسياً في الاختيار بين الانقسامات المحتملة في الظروف السائدة.  ويشير المؤلفون إلى أوجه الشبه بين هذه الحجة وبين نظريات (أنتونيو گرامشي) و(بيير بورديو)، اللذين اعتبرا أن الصراعات تبني الطبقات، والفئات الاجتماعية بصورة عامة.

ثم يتناولون أمثلتهم الثلاثة.  أما أمريكا فيذكرون أولاً أن السياسات الاقتصادية للحزب الديمقراطي، الذي تولى الحكم أثناء الكساد الكبير (في الثلاثينات من القرن العشرين) وفي فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، رمت إلى تشجيع الاستهلاك، فعرّفت الدولة المواطن على أنه مستهلك يقوم بواجبه الوطني من خلال الاستهلاك.  وكان تشجيع شراء المنزل الذي تسكنه أسرة واحدة من أهم ركائز هذه السياسة، التي أعطت الأولوية لتوفير رهون عقارية للأسر البيضاء التي اشترت منازل في ضواحي المدن، وذلك من أجل تكوين أحياء متجانسة عرقياً للبيض في الضواحي، وإبقاء السود في الأحياء الفقيرة داخل المدن.  هكذا نظر كثير من البيض، الذين لم يدركوا عنصرية سياسات التخطيط الحضري، إلى الفصل العنصري المتزايد على أنه نتيجة للجدارة الفردية بدلاً من العنصرية الجماعية.  بالتالي، عندما قامت حركة الحقوق المدنية في الخمسينات، بالتعاون مع إحدى فصائل الحزب الديمقراطي، اعترض عليها كثير من البيض، ليس باسم العنصرية وإنما باسم حقوق المستهلك.  ورغم النجاح النسبي الذي حققته حركة الحقوق المدنية في النصف الثاني من القرن العشرين، إلا أن الحزبين الديمقراطي والجمهوري لا يزالان يتنازعان أصوات هذا تحالف من الناخبين البيض حتى الآن.

أما حزب (بهاراتيا جاناتا) في الهند فتأسس في عام ١٩٨٠، وتولى الحكم من عام ١٩٩٨ إلى عام ٢٠٠٤.  لقد اعتنق الحزب عدة أيديولوجيات متعارضة على التوالي، بما فيها سياسة الحماية الاقتصادية وسياسة تحرير التجارة.  ولكنه صنّف دائماً ناخبيه على أنهم هندوس يظلمهم المسلمون والمسيحيون، واستخدم خطاباً شعبوياً قائماً على القومية الثقافية الهندوسية، فاكتسب تأييد ناخبين هندوس متنوعين ذوي مصالح متضاربة.  أدى هذا التضارب داخل الحزب إلى هزمه في انتخابات عام ٢٠٠٤، لأن سياساته الاقتصادية كانت قد أفادت الأغنياء بينما كانت أحوال الفقراء وجزء من الطبقة المتوسطة قد تدهورت في ظل حكمه.  يشير المؤلفون إلى أن النظريات السياسية السائدة غير قادرة على تفسير وصول حزب (بهاراتيا جاناتا) إلى السلطة، فإن الظروف لم تتح فرصاً سياسية للقومية الدينية فحسب، وإنما لمشروعات أخرى أيضاً، مثل يسار الوسط.  فيعزو المؤلفون نجاح الحزب القومي الهندوسي إلى جهوده الرامية إلى تكوين فئة اجتماعية وتطبيعها من خلال إقناع الناس بتصنيف أنفسهم بطريقة معينة.

لا يختلف الأمر كثيراً في حالة تركيا.  تأسس أول حزب إسلامي جماهيري في تركيا في عام ١٩٧٠، وجمع بين فئات مختلفة، من خلال إعادة تعريف قضايا سياسية خاصة بأحزاب يمين الوسط على أنها قضايا إسلامية، باسم مشروع ديني غير واضح طالبَ بالعدالة الاجتماعية.  منعت الدولة الأحزاب الإسلامية الواحد تلو الأخر.  وفي الثمانينات والتسعينات، أصبح الحزب الإسلامي ميدان تنافس بين مطالب سياسية متعارضة، مما أدى إلى اعتدالها جميعاً وتكوين موقف مشترك متوسط، وتعريف الناخب الإسلامي المتوسط على أنه صاحب هذا الموقف، الأمر الذي لم يكن ليحدث لولا الحزب.  غيرت الأحزاب الإسلامية مواقفها الاقتصادية والسياسية وفقاً للظروف، فتبنّت الليبرالية الجديدة في بداية القرن الحادي والعشرين، شأنها في ذلك شأن حزب (بهاراتيا جاناتا) الهندي.  وحاول حزب العدالة والتنمية التصالح مع النخبة العلمانية الحاكمة، واكتسب تأييد الكثير من ناخبي يمين الوسط العلماني وشخصياته البارزة، فحقق فوزاً انتخابياً كبيراً في عام ٢٠٠٢ كما في عام ٢٠٠٧.

وفي الخاتمة، يقول المؤلفون إن نتائج هذا البحث تثبت أن المشروعات السياسية الهادفة إلى الهيمنة تفشل عندما لا تؤيدها أحزاب تقوم بالعمل الذي يتطلبه تطبيع فئات اجتماعية جديدة تستطيع أن تحل محل التكتلات المسيطرة.  ويضيفون أن من شأن تناولهم لدور الأحزاب في بناء الانقسامات الاجتماعية أن ينطبق على حالات أخرى، بما فيها جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وحركة حماس في فلسطين، والمؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا.

2010/05/14

حملة مقاطعة إسرائيل

تذكر أبيگيل باكان وياسمين أبو لبن، في مقالتهما Palestinian Resistance and International Solidarity: The BDS Campaign، الصادرة في العدد الأول لعام ٢٠٠٩ من مجلة Race and Class، أن حرب إسرائيل على غزة في ديسمبر ٢٠٠٨ ويناير ٢٠٠٩ أحدثت موجة جديدة من التضامن الدولي مع الفلسطينيين.  ومثال ذلك مقالة نشرتها الصحافية الكندية المشهورة (ناعومي كلاين)، في الصحيفة البريطانية (ذي گارديان) والصحيفة الأمريكية (ذي نيشن)، لتأييد حملة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، من أجل عزلها كما عُزلت أفريقيا الجنوبية في النصف الثاني من القرن العشرين، الأمر الذي ساهم في انهيار نظام الفصل العنصري (الأبارتيد) في ذلك البلد.

تشير المؤلفتان إلى أنه كثيراً ما يصعب على الباحث أن يقدم بحثاً عن القضية الفلسطينية دون أن يعزو بعض القراء نتائج البحث إلى أصل الباحث بدلاً من منهجه العلمي.  فتصارحان بأصليهما لئلا تصرف الصورُ النمطية الانتباهَ عن مضمون حجتهما.  أما أبيگيل باكان فهي يهودية تعيش في كندا، وهي متحدرة من لاجئين هربوا من أوروبا الشرقية بسبب المذابح المنظمة ضد اليهود، وتذكر قتل بعض أفراد عائلتها في الهولوكوست.  وأما ياسمين أبو لبن فهي من فلسطينيي الشتات، فإن العنف الصهيوني هجّر عائلة أبيها من فلسطين في عام ١٩٤٨، ثم استقر أبوها في كندا مع أمها الأمريكية.

ترى الباحثتان أن حملة المقاطعة خطوة إيجابية بالنسبة للتضامن الدولي وتقدُّم الحركات الاجتماعية، وأنها قد تزعزع الصهيونية.  تستخدمان، في تفسيرهما لتاريخ حملة المقاطعة، مفهوم « العقد العرقي » للفيلسوف (تشارلز ميلز).  يرى (ميلز) أن العنصرية بمثابة نظام سياسي ضمني في الدول الديمقراطية الحديثة يقوم على فكرة أن البيض وحدهم بشر وأن غير البيض ليسوا إلا أنصاف بشر.  فتؤكد باكان وأبو لبن، بناءً على نظرية (ميلز)، أن هناك عقد عرقي دولي، منذ عام ١٩٤٨، يطابق بين مصالح إسرائيل ومصالح الدول الكبرى، ويفترض أن الفلسطينيين أنصاف بشر لا يستحقون دولة.  وتعتبر المؤفلتان هذا العقد العرقي أحد عناصر الهيمنة الثقافية (بالمعنى الذي حدده المفكر الماركسي أنتونيو گرامشي) التي تساهم في سيطرة النخبة الغربية على العالم.

مما يصعّب مواجهة الصهيونية في الغرب أن الصهيونية، باعتبارها رد فعل على كراهية اليهود في أوروبا وأمريكا الشمالية، تدّعي مناهضة العنصرية، بينما تخدم الاستعمار العنصري في الشرق الأوسط.  وطبقاً للعقد العرقي فإن الباحثين الذين ينتقدون إسرائيل، بما فيهم باحثون يهود من أمثال (نورمان فنكلستين) و(إيلان بابي) و(أوري ديفيس)، يواجهون محاولات شرسة لإسكاتهم.  يندرج بعض هؤلاء الباحثين في تيار « المؤرخين الجدد » الإسرائيليين، الذين أعادوا كتابة تاريخ إسرائيل والصهيونية من خلال التركيز على تجارب الفلسطينيين، خاصة في النكبة، فقدّموا تاريخ إسرائيل من منظور « ما بعد صهيوني ».  وتشير المؤفلتان إلى أن حملة المقاطعة تعتمد اعتماداً كبيراً على أبحاث هذا التيار.

ثم تلخصان تاريخ حملات مقاطعة إسرائيل.  قاطع فلسطينيون الشركات والمنتجات الصهيونية في ظل الانتداب البريطاني على فلسطين قبل عام ١٩٤٨.  ولا تزال المقاطعة من قِبَل المستهلكين مهمة، إلا أن حملة المقاطعة الحالية تطالب بمشاركة الدول أيضاً.  لقد نادت جامعة الدول العربية بمقاطعة إسرائيل في عام ١٩٤٨، غير أن بعض الدول العربية، مثل مصر والأردن والسعودية والبحرين وعمان، لم تعد تعمل بها.  وفشلت جامعة الدول العربية في جذب الانتباه إلى انتهاكات حقوق الإنسان التي يتعرض لها الفلسطينيون، وفي التأثير على الرأي العام في الغرب.  وفي السبعينات، صدّقت الولايات المتحدة وعدة دول أوروبية على قوانين تمنع مقاطعة إسرائيل، وبررت ذلك باسم منع « المتييز ».

هذا عكس ما أنجزته حملة مقاطعة أفريقيا الجنوبية، التي نشأت في الخمسينات، وأدت إلى عقوبات دعمتها الأمم المتحدة ودول غربية كثيرة، بما فيها الولايات المتحدة.  هناك أوجه تشابه كثيرة بين نظام الفصل العنصري (الأبارتيد) في أفريقيا الجنوبية وبين النظام الصهيوني في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة.  لذلك تضم حركة المقاطعة الحالية شخصيات بارزة من مقاومي الأبارتيد، مثل (ديزموند توتو)، كبير أساقفة جنوب أفريقيا السابق والحائز على جائزة نوبل للسلام.

في عام ٢٠٠٥، في أعقاب قرار محكمة العدل الدولية الذي طالب بإزالة الجدار العازل الإسرائيلي، نادت ١٧٠ منظمة مدنية في فلسطين بمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، مستوحية إستراتيجية اللاعنف والتضامن الدولي من نجاح تحول أفريقيا الجنوبية.  وعلى نقيض المقاطعة التي كانت جامعة الدول العربية قد أدارتها، فإن حركة المقاطعة الحالية غير هرمية، وتعتمد على وسائل الإعلام الجديدة التي تتوافر على الإنترنت.  يبرز فيها جيل جديد من النشطاء الفلسطينيين في الشتات.  ونجحت في اكتساب تأييد منظمات مدنية كانت قد نشأت للاعتراض على الليبرالية الجديدة وعلى العسكرية الأمريكية المتمثلة في الحرب على العراق.  هكذا أصبحت حركة المقاطعة رمزاً للتضامن الدولي ولرفض العدوان العسكري والتمييز ضد العرب والمسلمين.  وقد جرت العادة على تسمية الجدار العازل الإسرائيلي « جدار الأبارتيد »، فيما ازداد عدد الذين ينادون بإحلال دولة علمانية ديمقراطية محل دولة إسرائيل.

تشارك حكومات محلية وشركات ونقابات عمالية وكنائس ومهرجانات سينمائية، في أوروبا وأفريقيا الجنوبية وكندا، في حملة المقاطعة.  ومثال ذلك بنك ASN الهولندي، الذي سحب استثماراته، في عام ٢٠٠٦، من الشركات التي تستفيد من الاحتلال الإسرائيلي.  وفي عام ٢٠٠٩، حمل طلاب في بريطانيا والولايات المتحدة جامعاتهم على سحب استثماراتها من إسرائيل.  وأعلن المنتدى الاجتماعي العالمي، الذي انعقد في البرازيل في عام ٢٠٠٩ وحضره مائة ألف شخص، تأييده لحملة المقاطعة.  ازداد هذا التأييد رغم المعارضة الشديدة التي يتعرض لها من يبرز في الحملة، من قِبَل القائلين بأنها لن تنجح، أو أنها تهدد السلام والأمن، أو أن مقاطعة الجامعات الإسرائيلية تخالف الحرية الأكاديمية، أو أن الدافع الأساسي للحركة هي كراهية اليهود.  وعلى سبيل المثال فإن الأستاذ البريطاني (ستيفن روز) اتُّهم بأنه « يهودي كاره لنفسه » عندما نادى، في عام ٢٠٠٢، بمقاطعة الجامعات الإسرائيلية، اقتداءً بالمقاطعات الأكاديمية التي كانت قد واجهت أفريقيا الجنوبية.

ترى المؤلفتان أن من ميزات حركة المقاطعة أنها توحّد الفلسطينيين، على اختلاف جنسياتهم وطوائفهم وأجيالهم.  وفي ظل عجز الأمم المتحدة عن معاقبة إسرائيل على انتهاكاتها للقانون الدولي، تؤكدان أن حركة المقاطعة قد تُعتبر « منظمة أمم متحدة من أسفل » تتحمل هذه المسؤولية.

2010/04/08

انتخاب باراك أوباما والتمييز العنصري في أمريكا

يرى بعض المراقبين الأمريكيين أن فوز باراك أوباما في الانتخابات الرئاسية لعام ٢٠٠٨ يبشر بحلول « عصر ما بعد العنصرية » في الولايات المتحدة.  غير أن (توماس پيتيگرو) يفند هذه الحجة في مقالته Post-Racism? Putting President Obama’s Victory in Perspective، الصادرة في عدد سبتمبر ٢٠٠٩ من مجلة Du Bois Review.

يشير پيتيگرو إلى أن الكثير من الأمريكيين البيض يتوهمون، منذ الستينات من القرن العشرين، أن حركة الحقوق المدنية ألغت أساس التمييز العنصري في أمريكا، ومن ثم يظنون أن الأمريكيين من أصل أفريقي هم المسؤولون عما قد يتبقى من عدم المساواة.  إلا أن آلاف الدراسات العلمية أثبتت أن التمييز العنصري الواعي وغير الواعي لا يزال موجوداً في أذهان الأمريكيين، وأن هذا التمييز يؤثر في السكن والتوظيف والعلاج الطبي وأحكام السلطة القضائية.  يؤكد پيتيگرو أن انتخاب أوباما خطوة كبيرة إلى الأمام بالنسبة للأمريكيين من أصل أفريقي، ولكن يجب تفسير هذا الحدث على ضوء الظروف السياسية، بما فيها من عنصرية.

يذكر المؤلف أن قانون حقوق التصويت لعام ١٩٦٥ مهّد لزيادة كبيرة، على مدى أربعين عاماً، في عدد السود في المناصب التي تشغل بالانتخاب.  صحيح أن أوباما استفاد من هذا التمهيد، بالإضافة إلى ذكائه وكاريزماه وحسن تنظيم حملته الاتنخابية، ولكن الحظ ساعده أيضاً طوال حياته السياسية.  ومثال ذلك انسحاب اثنين من منافسيه من انتخابات مجلس الشيوخ في عام ٢٠٠٤ بسبب فضائح جنسية، الأمر الذي مكنه من الفوز، مع أنه كان يحتل مركزاً متأخراً في استطلاعات الرأي.  وفي الانتخابات الرئاسية، ارتكب منافساه (هيلاري كلينتون) و(جون ماكين) أخطاء فادحة في حملتيهما الانتخابيتين.  واستفاد الحزب الديمقراطي بشكل عام من تراجع شعبية الرئيس بوش في نهاية ولايته.  ولكن العامل الحاسم قد يكون الأزمة الاقتصادية التي بدأت في عام ٢٠٠٨، خاصة وأن الكثير رأى أن أوباما أكثر قدرة من ماكين على التعامل معها.

لا عجب أن ٩٥ في المائة من الأمريكيين من أصل أفريقي انتخبوا أوباما، ولكن القارئ قد يدهش إذا علم أن عنصريين كثيرين انتخبوه أيضاً.  غير أن في حياة العنصريين هموماً أخرى قد تتغلب على عنصريتهم أحياناً، ويؤكد المؤلف أن هذا ما حدث في حالة الأزمة الاقتصادية.  ولعل مما ساعدهم على التغاضي عن لون بشرة أوباما أنه نادراً ما تحدث عن العرق، وأن لون بشرته فاتح نسبياً، وأن أمه كانت بيضاء، وأنه يختلف تماماً عن الصورة النمطية العنصرية للسود.  فكان من الممكن أن يعتبره العنصريون رجلاً أسود استثنائياً.

ساهم ضعف الحزب الجمهوري في فوز أوباما الانتخابي أيضاً، فإقبال الناخبين الجمهوريين على التصويت، وخاصة اليمينيين المتطرفين منهم، كان منخفضاً، بينما نجح الحزب الديمقراطي في جذب أعداد غير مسبوقة من الناخبين الديمقراطيين، وخاصة بين الشباب والأقليات العرقية، إلى مراكز الاقتراع.  ومما يفند فرضية « عصر ما بعد العنصرية » تصاعد الاعتداءات العنصرية أثناء الحملة الانتخابية، ومحاولات منافسي أوباما للربط بينه وبين صور نمطية عنصرية.  وصوّت كثير من البيض في الولايات الجنوبية (التي يتسم تاريخها بعنصرية شديدة)، وكثير من البيض المسنين، ضد أوباما لأسباب عنصرية.  إلا أن التغير الديموغرافي يقلل تدريجياً من العنصرية في الجنوب، مما سمح لأوباما بفوزه في ثلاث ولايات جنوبية.

يتوقع پيتيگرو أن تُضعِف رئاسة أوباما الصور النمطية العنصرية للسود في أمريكا.  ولكن هذا لن يحل المشاكل الهيكلية التي يعاني منها كثير من الأمريكيين من أصل أفريقي، مثل الفقر وسوء التعليم.  هذه المشاكل نتيجة مائتي عام من العبودية تلتها مائة عام من الفصل العنصري المقنن، وسيتطلب حلها تغييرات هيكلية قد لا يستطيع أوباما أن يقدم عليها في ولايته الأولى، التي تخيم عليها الأزمة الاقتصادية.

2010/03/07

يوم بلا مهاجرين

مَن يستحق الجنسية الأمريكية؟  تحلل (بينيتا هيسكانين) الجدل حول الهجرة إلى أمريكا في مقالتها ‎“A Day Without Immigrants”‎، المنشورة في ديسمبر ٢٠٠٩ في مجلة European Journal of American Studies والمتاحة للقراءة مجاناً على موقع المجلة.

تظاهر أكثر من مليون مهاجر في بعض المدن الأمريكية الكبيرة في الأول من مايو عام ٢٠٠٦، تحت شعار « يوم بلا مهاجرين »، احتجاجاً على « قانون حماية الحدود ومكافحة الإرهاب والحد من الهجرة غير الشرعية »، الذي كان مجلس النواب قد وافق عليه في ديسمبر ٢٠٠٥.  كان من شأن هذا القانون أن يجعل من الدخول غير الشرعي إلى الولايات المتحدة جناية يعاقب عليها بالسجن، وأن يؤدي إلى عسكرة الحدود الأمريكية المكسيكية وترحيل المهاجرين الذين لا يحملون وثائق والمهاجرين الذين يُعتبرون « إرهابيين ».  أحدث مشروع القانون ضجة في أنحاء الولايات المتحدة، لا سيما في أوساط المهاجرين، الذين غضبوا خاصة من الخلط بين المهاجرين والإرهابيين.  قال أحدهم: « إذا كنتَ مواطناً ولم تكن توافق على النظام اعتُبرتَ "ليبرالياً"، بينما إذا لم تكن تحمل وثائق ولم تكن توافق على النظام اعتُبرتَ "إرهابياً". »

اندرجت مظاهرات « يوم بلا مهاجرين » في سلسلة احتجاجات أشارت إلى محنة المهاجرين الذين يعيشون في أمريكا دون أن يحملوا الجنسية الأمريكية.  كان هناك ٣٧ مليون مهاجر شرعي في الولايات المتحدة آنذاك (ومعظمهم من أمريكا اللاتينية وآسيا ومنطقة البحر الكاريبي)، بينما كان ١٠-١٢ مليون مهاجر (أي ٤ في المئة من سكان البلد) يعملون دون تصريح عمل.  غير أن المظاهرات كانت لها عواقب غير مقصودة أيضاً.  فالمناقشات الحادة التي دارت حول هذه القضية كثيراً ما صورتها على أنها صراع بين مجموعات عرقية تتنازع حق البقاء في أمريكا.

تشير (هيسكانين) إلى أن العرق مفهوم محوري في تعريف الأمة الأمريكية منذ تأسيس الولايات المتحدة.  منح قانون التجنيس لعام ١٧٩٠ المهاجرين « الأحرار البيض » وحدهم الجنسية الأمريكية، ومن ثم ربط بين « البياض » وبين الانتماء إلى الأمة الأمريكية.  ورغم أن تعديل الدستور لعام ١٨٦٨ منح الأمريكيين من أصل أفريقي الجنسية الأمريكية، إلا أن الفصل العنصري بين « البيض » و« السود » ظل شرعياً حتى عام ١٩٥٤.  ألغى قانون الهجرة لعام ١٩٥٢ الأساس العنصري للتجنيس، ولكن الصلة بين « البياض » والانتماء القومي ظلت راسخة في الأذهان.  أما المهاجرون من أمريكا اللاتينية (« اللاتينيون ») فليس لهم موقعاً محدداً في التراتب العرقي الأمريكي، لأنهم لا يُعتبرون بيضاً ولا سوداً.  ورحبت الحكومة الأمريكية بهم تارة ورحّلتهم تارة خلال القرن العشرين، وفقاً للطلب على العمالة.

ثم تصف المؤلفة مظاهرات « يوم بلا مهاجرين ».  آلى المتظاهرون على أنفسهم أن يمتنعوا عن العمل والذهاب إلى المدرسة وشراء السلع الاستهلاكية لمدة ٢٤ ساعة.  تضامن بعض أرباب العمل مع المحتجين بينما هدد البعض الآخر عمالهم بالفصل إذا شاركوا في الإضراب.  شبّه قادة الاحتجاجات مظاهرات المهاجرين بالمظاهرات المشهورة التي كان الأمريكيون من أصل أفريقي قد قادوها في الستينات من أجل الحقوق المدنية، أي إلغاء التمييز العنصري.  وطالب المحتجون بتسوية الوضع القانوني للعمال الذين لا يحملون وثائق.  تعتمد الخدمات الأساسية في بعض المدن على هؤلاء العمال، فأحدث الإضراب الفوضى في هذه المدن، الأمر الذي نبّهت سكانها إلى أهمية هؤلاء العمال في حياتهم اليومية.  وأشار أنصار حقوق المهاجرين إلى التناقض بين حاجات الاقتصاد الأمريكي وبين سياسة الهجرة، إذ كان هناك ٥٠٠ ألف فرصة عمل للعمالة غير الماهرة في كل سنة في الولايات المتحدة، بينما كان الحد الأقصى لعدد التأشيرات لهذا النوع من العمالة ٥ آلاف.  تؤكد (هيسكانين) أيضاً أن السياسة الاقتصادية الأمريكية في أمريكا اللاتينية زادت من عدد المهاجرين المكسيكيين المتجهين إلى الولايات المتحدة.  فاتفاق التجارة الحرة لأمريكا الشمالية، الذي صدر في عام ١٩٩٤، أسفر عن انخفاض حاد للأجور في المكسيك، وتعطيل مليون مكسيكي في عام ١٩٩٥، مما دفعهم إلى الهجرة إلى الشمال.

أما خصوم المظاهرات فرأوا أن المسألة في أساسها مسألة قانونية، أي ضرورة إيقاف التعدي غير الشرعي لحدود البلد.  وعزوا الاحتجاجات إلى منظمات شيوعية (وكانت الشيوعية فزاعة اليمين الأمريكي في أيام الحرب الباردة)، واعتبروا المظاهرات بمثابة « ضربة ضد أمريكا »، أو مؤامرة مكسيكية لاحتلال جنوب غرب الولايات المتحدة.  أشار أحدهم إلى ارتفاع معدل مواليد اللاتينيين فشبّههم بـ« البكتيريا » التي تتناسل بسرعة، وقال إن من شأن ذلك أن يمكّنهم من « الاستيلاء على السلطة » في الولايات المتحدة.  مع ذلك فمجلس الشيوخ رفض مشروع القانون الذي كان قد أثار الاحتجاجات، وما زالت المسألة معلقة حتى الآن.  يسعى المعادون للهجرة، منذ عام ٢٠٠٦، إلى تأليب الأمريكيين من أصل أفريقي على اللاتينيين، فيقولون إن اللاتينيين « يسرقون » وظائف ينبغي أن يحصل عليها الأمريكيون من أصل أفريقي.  ولكن حركة مضادة ما لبثت أن نشأت لحث هاتين المجموعتين العرقيتين على التصالح والتعاون.

تزايد العداء للمهاجرين بعد مظاهرات مايو ٢٠٠٦، خاصة مع انكماش الاقتصاد الأمريكي، فزادت السلطات من جهودها الرامية إلى ترحيل المهاجرين غير الشرعيين.  أصدرت ولاية (كولورادو) قانوناً يجبر أفراد الشرطة على التبليغ لدائرة الهجرة عن أي شخص سمعوه يتحدث بالأسبانية.  اقتحمت الشرطة مصانع في جنوب غرب أمريكا فقبضت على مهاجرين غير شرعيين ورحّلتهم فوراً دون أطفالهم.  تكاثرت المنظمات المعادية للهجرة، وتعززت الجماعات العنصرية، وازدادت الاعتداءات على اللاتينيين.  وتشير (هيسكانين) إلى أن العداء للمهاجرين يقيّم الهجرة دائماً من وجهة نظر مواطنين يدّعون مناقشة المسألة من حيث « مصلحة الأمة ».

هكذا أدت مظاهرات « يوم بلا مهاجرين » إلى تعزيز العلاقات بين المجموعات العرقية من ناحية، وإلى اشتداد العنصرية وكره الأجانب من ناحية أخرى.  ترى المؤلفة، التي كتبت مقالتها خلال حملة الانتخابات الرئاسية في عام ٢٠٠٨، أن المفهوم الشائع لـ« الهوية الأمريكية » ربما أصبح أقل ثباتاً منذ عدة سنوات، وأن علاقته بالعرق ربما تتغير، ولكن يجب أن ننتظر المحاولة المقبلة للكونگرس الأمريكي لمعالجة مسألة الهجرة لكي نقدّر مدى هذا التغير.

2010/02/11

الحد من قوة الشعبوية

كيف يمكن الحد من السلطة التي تتيحها الشعبوية (populism) لبعض القادة السياسيين؟  يجيب (روبن ماكايكو تشيرامبو) على هذا السؤال في مقالته Democracy as a Limiting Factor for Politicised Cultural Populism in Malawi، المنشورة في العدد الثاني لعام ٢٠٠٩ من مجلة Africa Spectrum والمتاحة للتنزيل مجاناً. يشير (تشيرامبو) أولاً إلى أن المعنى العادي لكلمة « شعبوية » يدل على سياسة تعبر عن آراء عامة الناس ومصالحهم، بينما تلمّح هذه الكلمة، في العلوم السياسية، إلى محاولات اكتساب تأييد عامة الناس بوسائل دنيئة أو بالتضليل.  فتطرح الكلمة أسئلة عن صدق الساسة ونزاهتهم، وتلمّح إلى استغلالهم لأتباعهم.  وهذا المعنى السلبي هو ما يقصده (تشيرامبو) بكلمة « شعبوية » في هذه المقالة.

يذكر المؤلف أن الدكتور (هيستينگز كاموزو باندا) كان رئيس (ملاوي) مدى الحياة، في ظل نظام ديكتاتوري معتمد على حكم الحزب الواحد، منذ استقلال البلد في عام ١٩٦٤ حتى تأسيس الديمقراطية في عام ١٩٩٤.  سيطرت هذه الديكتاتورية على السكان بوسائل قمعية، مثل الاعتقال دون محاكمة، والرقابة الصارمة على والصحافة.  ويقال إن ميليشيات (باندا) كانت تعتقل أو تقتل أي شخص شكت في ولائه للزعيم.  ولكن النظام سعى أيضاً إلى الحصول على موافقة جزء كبير من السكان على حكمه.  فاستعان (باندا) برموز ثقافية، مثل الألقاب الفخرية التراثية والقومية والدينية التي أطلقها على نفسه لشرعنة زعامته: « الأسد »، و« الغازي »، و« الحامي الموفِّر »، و« أبو الأمة الملاويية »، و« موسى »، و« المنقذ »، إلخ.  وساعده وسائل الإعلام في ذلك، فكانت إذاعة القطاع العام تبث أغانياً تمدحه وتصفه بهذه الألقاب، خاصة في المناسبات الرسمية الرامية إلى تكريمه.  كانت هذه المناسبات تتضمن رقصاً تقليدياً كان الرئيس يشارك فيه، ليمثّل الأدوار التي تدل عليها الألقاب.

يؤكد (تشيرامبو) أن معظم الزعماء الأفارقة الذين قادوا بلادهم إلى الاستقلال استخدموا هذا النوع من السياسة الشعبوية.  فرغم أنهم تبنوا الديكتاتورية القائمة على حكم الحزب الواحد، إلا أنهم استعانوا برموز وممارسات ثقافية لشرعنة أنظمتهم أيضاً.  فتشبّهوا مثلاً بأبطال الماضي وادّعوا أنهم خلفاؤهم.  وادّعى (باندا)، كغيره من هؤلاء، أنه يحافظ على الثقافة القومية وهو في الحقيقة يجعل من ثقافته العرقية ثقافة قومية، ويقمع الثقافات الأخرى في بلده.  ظهرت انتقادات لشعبوية (باندا) أثناء التحول الديمقراطي، فأصبحت الألقاب الفخرية التي كانت قد أضفت عليه صورة المحارب الشجاع، مثل « الأسد »، تُعتبر أدوات كانت قد ساهمت في تبرير اعتقاله أو إعدامه لأبرياء دون محاكمة.  وأصبحت الأغاني السياسية التي كانت قد حضت على مدحه وعبادته تُستخدم لتأنيبه ولرفض مشروعية حكمه.

غير أن الشعبوية الثقافية لا تزال مفيدة في ظل الديمقراطية.  فالفساد السياسي متفشٍ في الانتخابات، فلا تكفي لشرعنة الزعماء.  لذلك لا تزال الأنظمة تحاول استعمال الشعبوية الثقافية لتعزيز مشروعيتها.  فأطلق الرئيس الحالي (بينگو وا موثاريكا) على نفسه بعض الألقاب الفخرية التي كان (باندا) قد استخدمها، ولا يزال يستعين بالرقص التقليدي في المناسبات الرسمية.  ولكن المؤلف يؤكد أن آليات الديمقراطية تحد من فاعلية شعبوية (بينگو)، لأنه لا يتمكن من التصرف في الأموال العامة ووسائل الإعلام لتعزيز صورته، ولا من استخدام وسائل القمع التي كان (باندا) يلجأ إليها ليجبر الناس على الولاء لشخصه.  علاوة على ذلك فبإمكان المواطنين، في ظل النظام الديمقراطي، أن ينتقدوا الرئيس ويسخروا منه، ومن أدوات الشعبوية الثقافية مثل الألقاب الفخرية، مما يقلل من فاعلية هذه الأدوات.  وبشكل عام فإن سنوات الديكتاتورية الطويلة جعلت كثيراً من الناس، وخاصة الصحافيين، يشككون في الشعبوية في حد ذاتها، فيرون أنها ليست إلا قناعاً يخفي الفساد السياسي والاستغلال.