2009/11/12

العلم الإسلامي وصنع النهضة الأوروبيا

هذه هي ترجمة لـحوار مع جورج صليبا نُشر على موقع (روروتوكو) حول كتابه Islamic Science and the Making of the European Renaissance، الذي صدر عام ٢٠٠٧:
باختصار

بدأ هذا الكتاب منذ ما يقارب عشرة أعوام. في البداية، كنت أريد أن أعرف ما هي الظروف التي يمكن فيها لحضارة ما أن تنتج العلم من جديد.

درست في الماضي الساميات القديمة والرياضيات، ولكني كنت مهتماً دائماً بتلك الإشاعات التي يعرفها القارئ غير المتخصص، أي أن الاختراع الكبير للعلم كان في الحقيقة مشروعاً يونانياً، وأن كل ما سواه هو إما ظل لما صنعته الحضارة اليونانية القديمة أو امتداد له.

ويمتص المرء تلك الأفكار النمطية في الصبا فيعتبرها عادية. ولكني كنت قد درست الرياضيات، وبدأت أقرأ شيئاً من الأبحاث العلمية التي كانت قد كُتبت في الحضارة الإسلامية، فازددت حباً للاطّلاع. ومن هذا المنطلق لاحظت أن بعض هذا العلم لم يكن مجرد ظل للمشروع اليوناني، وإنما كان كأنه إعادة تركيز للضوء، أو رؤية جديدة لم يكن يعرفها اليونانيون.

وبدأت أتساءل أيضاً عن حقيقة يعرفها كثير ممن يدرس التاريخ ومن القراء غير المتخصصين، أي أن فترة فوران مدهش جاءت في عصر الحضارة اليونانية القديمة، من القرن الرابع قبل الميلاد إلى القرن الثاني بعد الميلاد تقريباً. اتفق أن كل العظماء الذين تخطر أسماؤهم على بالنا، في كل المجالات، عاشوا في هذه الفترة، مثل أفلاطون وأرسطو وكلاوديوس بطليموس وإقليدس وديوفانطوس وجالينوس ودياسقوريدوس. وانتهى كل شيء بحلول القرن الثاني. ثم لم يحدث شيء. وفجأة، في القرن التاسع، نسمع عن خلفاء بغداد المتحمسين الذين حفزوا على أشياء كثيرة، وترجموا أشياء كثيرة، واستوعبوا كل الأعمال اليونانية.

إن كل ذلك يبدو لي كأنه غير تاريخي تماماً. إن السياسيين الذين أعرفهم أو أقرأ عنهم لا يفعلون ذلك عادة. لماذا كان حكام بغداد ليكونوا أحكم من سياسيي يومنا هذا؟ كنت أريد أن أعرف ماذا أثار ذلك الاهتمام بالعلم اليوناني، بعد مرور سبعمائة سنة. ما هي الدوافع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والشخصية للعلماء الذين صنعوا هذا العلم الحديث؟

من زاوية واسعة

يقدم الفصلان الأولان من الكتاب قراءة جديدة تماماً لهذه الفترة. لا أعتقد أن الأحداث تحدث دون سبب، أو أن خليفة واحداً أو شخصاً واحداً يستطيع أن يحيي ثقافة بكاملها. لا تتشكل الثقافات بهذه الطريقة.

إن تعريف الثقافة الإسلامية لنفسها كإسلامية كان شيئاً جديداً. كانت هذه أول مرة قام فيها دين بإنشاء كيان سياسيي وبتعريف نفسه تعريفاً سياسياً. وبدأت بيئة ذات طابع سياسي وديني، ألهمها القرآن وحياة النبي، تحدد الثقافة. يتكلم النبي عن نفسه على أنه امتداد لاتجاهات النبوءة المعروفة من العهدين القديم والجديد. يعتبر رسالته إكمالاً وليس تمرداً.

كانت الإمبراطورية الإسلامية في أوجها أكبر إمبراطورية كانت الحضارة البشرية قد شهدتها حتى ذلك الوقت. كان توسعها الجغرافي هائلاً. وورثت إمبراطوريتين سابقتين، وهما الإمبراطورية الرومانية ، والإمبراطورية الساسانية.

إن إدارة إمبراطورية ليست بالأمر الهيّن. فضلا عن أنّ هذه امبراطورية كانت تعاني من مشاكل جوهرية. فمن ناحية كان يجب أن تحترم الأخلاق التي كان الوحي الديني قد أتى بها، والسياق الديني للحياة، ومن ناحية أخرى كان يجب أن تتصرف كل يوم لتسن النظام السياسي.

تحمّل إدارةُ إمبراطوريةٍ الحاكم مسؤولية رفاهية رعيته، والاقتصاد، والدفاع، والصحة العامة. فأدركتُ الصعوبة الكبيرة التي كانت تواجه الخليفة. هل كان يمكن أن تسنح له فرصة التفكير، فجأة، في نص يوناني قديم كان ليحلو له أن يترجمه؟ بالطبع لا. ولكن هذا هو الإدراك الذي دلّني على كيفية قراءة النصوص التي سُجل فيها تاريخ تلك الإمبراطورية.

وعندما تنظر إلى الظروف الاجتماعية والاقتصادية، في الحياة اليومية، يتبين أنه كان هناك حاجة ماسة إلى المواءمة بين إدارتي الإمبراطوريتين السابقتين. بل وإنهما كانتا تتكلمان لغتين مختلفتين لم تكن أية منهما العربية. فالإمبراطورية البيزنطية كانت تسيّر أعمالها باليونانية بينما الإمبراطورية الساسانية كانت تستخدم البهلوية (الفارسية القديمة).

لذلك كانت ترجمة الإجراءات البيروقراطية للإمبراطوريتين السابقتين هي الخطوة الأولى في إدارة الإمبراطورية الجديدة.

وكانت المواءمة بين المصطلحات البيروقراطية لتشمل في حد ذاتها تقسيم الأراضي لتحصيل الضرائب. وكان هذا ليشمل مؤلفات رياضية وفلكية ابتدائية في مسح الأراضي ووضع التقاويم وأشياء مثل تحديد طول النهار وأوقات طلوع النجوم وأفولها، إلخ. كما يجب ألا ننسى الرعاية الطبية الأساسية والحاجة إلى تدبير رعاية الصحة العامة. وبعبارة أخرى فإنه كان هناك حاجة إلى علم متطور. كان لا بد من العلم لبناء إمبراطورية أفضل من الإمبراطورية المهزومة.

كنت قد قرأت فيما مضى عن ابن خليفة طمح في أن يصبح خليفة، ولكن ذلك لم يسنح له، فاهتم بالخيمياء ليعوض نفسه عن الخلافة. (وفي الواقع فإن النصوص الأولى التي نسمع عن ترجمتها من اليونانية إلى العربية كانت النصوص الخيميائية والتنجيمية.) وحسب فهمنا التقليدي للخيمياء فإن هذا الرجل كان يحاول أن يصنع الذهب. فتضحكك هذه الحكاية من الرجل الذي لم يحصل لا على الخلافة ولا على الذهب.

ولكن تبين أنه كان مهتماً بالنسبة الحقيقية للذهب والسبائك التي يجب خلطها لصنع عملة. فإنه لا يمكن تأسيس إمبراطورية دون عملة. وفي هذه الفترة، أي القرن السابع والقرن الثامن، لم يكن يعرف كيف يتمّ ذلك سوى أهل الخيمياء. كانوا يعرفون كيف يزنون بأثقال صغيرة جداً. وهذا هو سبب الاهتمام بالخيمياء وترجمة النصوص الخيميائية.

وكلما طال الاستقرار كلما زاد إنتاج العلم. فأوقات الاضطراب ليست مواتية للعلم. حكم عبد الملك بن مروان لمدة عشرين سنة تقريباً، من ٦٨٥ إلى ٧٠٥. وكان يجب إجراء جميع المعاملات البيروقراطية باللغة العربية طوال هذه الفترة. ولذلك كان لا بد أن يتحدث البيروقراطيون العربية كلغة أمّ أو أن يتعلموها. وبالتالي فإن البيروقراطيين الذين كانوا يعملون منذ ما قبل الإمبراطورية الجديدة لم يعودوا مطلوبين.

فإذا فكرنا تفكيراً سوسيولوجياً، فما هو رد الفعل المتوقع من مجموعة من البيروقراطيين المفصولين الذين لم يعودوا مطلوبين في الإمبراطورية؟ إن الاختيارات محدودة: قد يعفو عليهم الزمن، أو قد يتخصصوا فيما تحتاج إليه الإمبراطورية ويعودوا بمعرفة أكثر تطوراً بكثير.

وهذا ما حدث بالفعل. عاد الجيل اللاحق ممن تم فصلهم من بيروقراطية الإمبراطورية. فتظهر أسماؤهم في التاريخ: الطبيب الخاص للخليفة، والمنجم الخاص للخليفة، ومدير هذا أو ذاك. إن منافسة من كانوا قد تولوا مناصب آبائهم هي ما حفز هؤلاء الأفراد إلى التمكن من العلوم الأكثر تطوراً.

وهذا دافع من دوافع الرجوع إلى أهم النصوص اليونانية القديمة التي كانت قد نُسيت لمدة سبعمائة سنة. فإن في بيئة تنافسية جديدة يعود المرء بمعرفة جديدة تمكّنه من منافسة من حلوا محل أبيه في البيروقراطية.

إن هذا يفسر ترجمة النصوص اليونانية تفسيراً أكثر إقناعاً من فكرة حلم خليفة بالاطّلاع على ما كان أرسطو قد قاله. الشخص الذي يحصل على وظيفة بفضل ما قاله إقليدس وديوفانطوس وجالينوس، هو الذي يدعو إلى ترجمة كتبهم. كان يمكن لهؤلاء الأشخاص، بعد أن تسلحوا بهذه النصوص الأساسية، أن يتولوا مناصب بيروقراطية أعلى من مناصب من حلوا محل آبائهم.

يروي إذاً الفصلان الأولان من الكتاب حكاية نشأة العلم كرد فعل على محض حاجات الإمبراطورية الجديدة، ويشرحان أسباب ازدهار هذا العلم، ويأخذان في الاعتبار الظروف التنافسية التي أحدثتها الإمبراطورية الجديدة. كل هذا اقتصادي وسياسي حتى العظم.

وما زال الدين مهماً. قدّم الإسلام حافزاً، باعتباره ديناً جديداً في الإمبراطورية، على تساؤلات لم تكن متوقعة في التراث اليوناني.

وعلى سبيل المثال فعلى المسلم أن يصلي خمس مرات في اليوم ويتجه إلى القبلة. وكلا هذين الشيئين بسيطان. ولكنهما معقدان جداً إذا أخذتهما مأخذ الجد. فإن وقت إحدى الصلوات مرتبط بطول ظل المرء على الأرض. وكان من المفترض، في البداية، أن يبدأ وقت صلاة العصر حين يصير ظلك مثلك وينتهي حين يصير ظلك مثليك. كان من المفترض أن تتم صلاة العصر في حدود تلك الفترة. وكان ذلك يصلح في مكة وفي منطقة قد يكون أقصاها المدنية. ولكن في دمشق أياماً كثيرة في كل عام لن يكون ظلك مثلك أبداً في أي ساعة من ساعات النهار. فمتى تبدأ الصلاة؟

أدت هذه المسألة البسيطة جداً إلى دراسة لأطوال الظلال عند دوائر عرض مختلفة. فأصبحت الجغرافيا الرياضية جزءاً لا يتجزأ من الصلاة. وإذا خضت في الجغرافيا الرياضية فإنّك تدخل في علم الفلك من الباب الكبير. فإنك تتعلم مواقع الشمس في كل يوم من أيام السنة، وأين أنت على الكرة الأرضية بالنسبة للشمس، وكيف تلقي الشمس الظل، وما علاقة الظل بموقعك. وكل هذه الأسئلة مقدمات ممتازة في علم الفلك. فهل يبقى أي تساؤل عن سبب الحاجة إلى النصوص الفلكية؟

ثانياً، لم يفكر أي يوناني في أن يتجه إلى مدينة معينة وهو يصلي. ويوجب الإسلام على المسلم أن يتجه إلى مكة عند الصلاة. غير أن رؤيتنا للعالم معتمدة على خرائط مسطحة. عندما أسأل طلابي أين مكة، بالنسبة لموقعنا في نيويورك، يقول تسعة من كل عشرة « جنوب شرق »، لأنهم ينظرون إلى الخريطة المسطحة. فيذهلون بأن مكة، في الحقيقة، شمال شرق موقعك إذا كنت في نيويورك. وهذا هو السبب في أن الطائرات المتجهة إلى أوروبا تطير فوق بوسطن. ولكن التوصل إلى هذا الإدراك يتطلب علماً متطوراً للمثلثات الكروية، أي يتطلب قوانين لحساب المثلثات لم يكن اليونانيون في حاجة إليها. ومن هنا نشأ مجال علمي جديد.

والجزء الثاني من الكتاب يتناول تأثير كل هذه الأعمال على أوروبا.

ففي القرنين الثاني عشر والثالث عشر قامت في أوروبا حركة كبيرة لترجمة نصوص من العربية إلى اللاتينية. وجرت العادة على اعتبار هذه الفترة فترة استعادة أوروبا لجذورها إذا جاز التعبير. يقال إنه لم يمكن العثور على النصوص اليونانية فتمت ترجمتها عن طريق العربية.

ولكن غير صحيح أنه لم يمكن العثور على هذه النصوص. إنما تم العثور عليها وترجمتها مباشرة من اليونانية بعد ذلك، في القرنين الخامس عشر والسادس عشر. فلماذا ترجموها من العربية إذا كان نفس النص موجوداً في اليونانية؟

إن لب حجتي هو أن العلماء الأوروبيين استعملوا اللبنات الأولى التي كانت قد تشكلت في الحضارة الإسلامية ليبنوا علمهم الجديد. ومعنى ذلك ليس أن النهضة الأوروبية ليست نهضة رائعة. إنها فعلاً إحدى الفترات الأكثر إبداعاً في التاريخ.

ولكنه من الجدير بالذكر أن منهج الترجمة تغير بعد القرن الرابع عشر. في القرنين الخامس عشر والسادس عشر لم يعد الأوروبيون يتناولون تلك النصوص العربية بالطريقة التي كانوا قد تناولوها بها في العصور الوسطى. فإن العلماء الأوروبيين كفوا عن توظيف مترجمين وتعلموا العربية أنفسهم.

هل يجوز أن نفترض أن علماء عصر النهضة كانوا أقل ذكاء من علماء يومنا هذا؟ إذا سألتَ عالِم معاصر عمّا قيل في الفيزياء منذ خمسين سنة، فسيقول لك إن الزمن قد عفا على كل ذلك. لا يقرأ علماء اليوم ما كُتب في مجالاتهم منذ خمسين سنة. لا يهتمون إلا بأحدث شيء. فلماذا كان عالِمٌ في عصر النهضة ليقرأ نصاً مكتوباً في اليونان القديم قبل ذلك بألف سنة، بينما كان ذلك النص قد خضع للمناقشة والانتقاد والتحديث في العالم الإسلامي؟

فيتناول الجزء الثاني من الكتاب مثل هذه الأمور.

صورة مقربة

وأضرب مثال كوبرنيكوس، الذي التقط من النصوص العربية كل المبرهنات الرياضية التي كان يحتاج إليها، أو يكاد، لبناء علم فلكه. لم تكن هذه المبرهنات موجودة في النصوص اليونانية القديمة.

ويثير ذكر كوبرنيكوس الاضطراب لأننا ننسب إليه اكتشاف دوران الأرض حول الشمس. ولم يجد كوبرنيكوس هذه الفكرة عند أي عالِم فلك مسلم أعرفه. لم يكن أي عالِم فلك مسلم أعرفه ليؤمن بنظرية مركزية الشمس أو ليسمح بعلم كونيات يتضمن نظرية مركزية الشمس. لم يستطيعوا، ولم يستطع كوبرنيكوس، تبيين البنية المادية للكون، فهذا التبيين يعتمد على قانون أساسي كان نيوتن سيكتشفه بعد عهد كوبرنيكوس بمائة سنة.

غير أن كوبرنيكوس كان في حاجة إلى الآليات الرياضية التي تستوعب حركات الكواكب. كان في حاجة إلى نموذج تنبؤي ليعرف الموقع الذي سيظهر فيه كوكب ما في وقت ما لمعاين على الأرض. وإذا سألتَ عن موقع ظهور الكوكب لمعاين على الأرض بدأتَ في حل المشكلة بالنسبة لكون متمركز على الأرض. وكانت جميع هذه الإجابات موجودة بالفعل في العالم الإسلامي.

ويبقى السؤال: لماذا فعل كوبرنيكوس ذلك؟ هناك أشخاص كثيرون يجيبون على هذا السؤال بطرق مختلفة كثيرة. ولكن أية من هذه الإجابات ليست مقنعة حقاً بالنسبة لعلم الكونيات. لأنها لا تبين القوة التي تربط بين الكواكب والشمس. حتى كيبلر، الذي يأتي بعد كوبرنيكوس، والذي ينبغي أن يُسمى أب علم الفلك الحديث، كان يعتقد أن الكواكب تتجاذب كالمغناطيسات. استخدم كيبلر المغناطيسية كاستعارة لهذا التجاذب لأنه لم يكن على علم بعد بقانون الجذب العام لنيوتن.

ومن ناحية أخرى، إذا فكرتَ تفكيراً رياضياً، فلا يهم ما إذا كان مركز الكون في الشمس أو الأرض. وهذا ما مكّن كوبرنيكوس من قلب كل الرياضيات التي كانت قد تطورت في العالم الإسلامي ليستخدمها في نظرية مركزية الشمس.

أخيراً

لماذا لم يستمر هذا النشاط العلمي في الإسلام؟ أقول عدة أشياء في الكتاب عن مفهوم « التدهور ». يتحدث الناس عن الصعود والسقوط، وعن الحركة الدورية، ومثلاً عن صعود الإمبراطورية العثمانية وسقوطها، أو صعود الإمبراطورية الرومانية وسقوطها. لستُ مقتعناً جداً بهذه الفكرة. انهارت الإمبراطورية الرومانية بالفعل، ولكنها انهارت بعد ألف وخمسمائة سنة. لا يرجع التدهور إلى دورة من حيث هي دورة، وإنما تتغير كل الأشياء، بما فيها قوة الإمبراطوريات، عندما تتغير الظروف التاريخية.

انظر إلى خريطة أوروبا في عام ١٤٠٠، تجد كل طرق التجارة تتقاطع في قلب العالم الإسلامي. لم يكن أي تاجر أوروبي يتصور أنه قد يجني مالاً دون أن يدفع بعضه لمحصل ضرائب في ميناء إسلامي أو مدينة إسلامية. وأصبحت هذه الخريطة مختلفة جداً في العام ١٥٥٠. لقد انتقلت كل طرق التجارة فتجتاز المحيط الأطلسي. فالاكتشاف العرضي للعالم الجديد هو ما أفقد العالم الإسلامي الصدارة في التجارة.

فالأسئلة السخيفة عما « أخطأ » في الإسلام وعن السبب في أن العلم فات المسلمين بعد أن ملكوه، إنما يجيب عليها سؤال آخر: « لماذا وكيف أنتجت أوروبا العلم في الحقيقة؟ »

سيكون هذا موضوع كتابي المقبل. كما تناولتُ آليات إنتاج العلم في بداية الحضارة الإسلامية، أريد الآن تناول الآليات التي حولت تلك الثروة، والظروف الاقتصادية في الواقع، إلى إنتاج العلم في أوروبا. كيف أنتج الأوروبيون علماً تعذر على الحضارة الإسلامية، وعلى الحضارتين الصينية والهندية غير الإسلاميتين، أن تقلده؟

2009/10/26

أوبك وتغير المناخ

في عدد نوفمبر ٢٠٠٨ من مجلة Global Environmental Politics مقالتان تتناولان موقف أعضاء منظمة الأقطار المصدرة للبترول (أوبك)، ولا سينما السعودية، من الجهود الرامية إلى التخفيف من تغير المناخ.

يعرض (جون بارنيت)، في مقالته The Worst of Friends: OPEC and G77 in the Climate Regime المتاحة للتنزيل مجاناً، لتأثير أوبك على مواقف الدول النامية من تغير المناخ. ويشير أولاً إلى أن تغير المناخ وارتفاع أسعار النفط يضران بصحة ورفاهية الملايين من الفقراء في أنحاء العالم. ومع ذلك فإن أوبك تعارض التقليل من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري الناتجة عن حرق النفط، كما تعمل المنظمة على رفع أسعار النفط. والغريب أن دول مجموعة الـ٧٧ (وهي تحالف مجموعة من الدول النامية) كثيراً ما تؤيد مساعي أوبك لعرقلة الجهود الدولية المبذولة لمكافحة تغير المناخ. ويذكر (بارنيت) أن شركات النفط الكبرى وشركات تصنيع الأسلحة لديها مصلحة في زيادة احتمالات الصراع المسلح في الشرق الأوسط، فمن شأن التوتر والصراع أن يرفعا أسعار النفط. ورغم أنه يبدو كأن هذه المصلحة تهدد سيادة أعضاء أوبك في الشرق الأوسط، إلا أن استقرار الأنظمة الحاكمة في هذه الدول يعتمد هو الآخر على ارتفاع أسعار النفط. ثم يقدم المؤلف تفسيراً لنفوذ أوبك في مجموعة الـ٧٧ فيما يتعلق بتغير المناخ، فيقول إن أعضاء مجموعة الـ٧٧ تسعى عادة إلى الوحدة في مفاوضاتها مع الدول الكبرى، وأن الدول النامية تعتبر أعضاء أوبك الثرية، وخاصة السعودية، أبطالاً تنصرها في هذه المواجهة. ويؤكد (بارنيت) على أن هذا الموقف غير عقلاني في هذه الحالة، فإنه يتعارض مع مصلحة الدول النامية في مكافحة تغير المناخ.

وتصف (جوانا ديبليج)، في مقالتها Striving for No: Saudi Arabia in the Climate Change Regime، أنواع العرقلة التي قام بها الوفد السعودي باستمرار لمنع محادثات الأمم المتحدة بشأن المناخ من التوصل إلى أي اتفاق. وتشير (ديبليج) إلى أن السعودية متحالفة مع لوبيات النفط والفحم القوية في أمريكا وأستراليا. ثم تتناول المؤلفة أسباب انصياع مجموعة الـ٧٧ للموقف السعودي فتؤيد تفسير (بارنيت)، وتذكر أيضاً أن التقدم المتواضع الذي حققته الدول الكبرى في التقليل من انبعاثاتها وفي مساعدة الدول النامية على مواجهة تغير المناخ من شأنه أن يعزز موقف المعرقلين. غير أن سلطة السعودية في مجموعة الـ٧٧ ليست مطلقة، فإن الدول الآخرى الأعضاء نجحت أحياناً في عزل السعودية وإجبارها على التنازل عن بعض مواقفها في المفاوضات الدولية حول تغير المناخ.

2009/10/13

الثورات الحقوقية في أمريكا اللاتينية

يذكر (بروس ويلسون)، في مقالته Institutional Reform and Rights Revolutions in Latin America: The Cases of Costa Rica and Colombia المنشورة في العدد الحالي من مجلة Journal of Politics in Latin America، والمتاحة للتنزيل مجاناً، أن الباحثين كانوا يتحسرون على ضعف القضاء في أمريكا اللاتينية بأجمعها منذ ٣٠ سنة، وأن هذا الواقع انقلب تماماً في العشرين سنة الماضية، بل إن بعض البلدان شهد في هذه الفترة ما يُسمّى « ثورات حقوقية ». ومعنى هذا أن المحاكم العليا، التي كانت تقضي في قضايا خاصة بحقوق الملكية وقانون العقود في الغالب، أصبح شغلها الشاغل حماية الحقوق الفردية ولا سيما حقوق الفقراء والخاضعين للسيطرة. لماذا حدث ذلك؟

يشير (ويلسون) إلى أن وجود حقوق فردية في النصوص القانونية لا يكفي لحمل القضاة على حماية هذه الحقوق. ولذلك كان الباحثون يعزون قيام الثورات الحقوقية إلى وجود منظمات حقوقية لها من الخبرة والمال ما يمكّنها من توفير الدعم القضائي لمن تم انتهاك حقوقهم الفردية. ولكن هذا التفسير لا ينطبق على كوستاريكا أو كولومبيا، فإن كلاً منهما شهدت ثورة حقوقية مع أنها كانت وما زالت تخلو من هذا النوع من المنظمات.

فيلخص المؤلف تاريخ القضاء في البلدين، ثم يركز على بعض الإصلاحات القضائية التي قامت بها كل منهما. فهذه الإصلاحات ألغت الشكليات في المحكمة العليا، ووسّعت حق المثول أمام المحكمة، وسمحت لأي شخص برفع قضية إليها، دون أن يدفع رسوماً قانونية، وحتى بدون محامٍ. ويؤكد أن إزالة الحواجز الشكلية والمالية التي كانت تحول بين الفقراء وبين رفع قضايا إلى المحكمة العليا قد تكون سبب الثورة الحقوقية التي حدثت في كل من كوستاريكا وكولومبيا.

2009/10/07

الفصل بين المواطنة والانتماء القومي

يشير (هالدون غولالب)، في مقدمته لكتاب Citizenship and Ethnic Conflict: Challenging the Nation-State الصادر في عام ٢٠٠٦، إلى أن فكرة الدولة القومية، التي أصبحت أساس بناء الدول في أنحاء العالم منذ القرن التاسع عشر، تحتوي على تناقض. فالدولة القومية تهدف إلى انتزاع المواطنين من انتماءاتهم التقليدية لئلا ينتموا إلا إلى الأمة، ولكن مفهوم الأمة ما زال يعتمد على انتماءات تقليدية، مثل الانتماء الديني أو اللغوي. أما من لا يشاركون في هذه الانتماءات القومية فيُعتبرون أقليات. وسواء كانت الأقليات موجودة منذ إنشاء الدولة، مثل الأكراد في تركيا، أم وافدة بعد ذلك، مثل الأتراك في ألمانيا، فإنها تحول حتماً دون تحقيق المثال الأعلى للقومية، وهو المطابقة المستحيلة بين الدولة والأمة. ومن ثم فإن الدولة القومية ليست إلا أسطورة. لذلك ينادي مؤلفو الكتاب بالفصل بين المواطنة والانتماء القومي.

ويبحث كل فصل من فصول الكتاب وضع القومية والمواطنة في دولة معينة. ففي فصل عنوانه Redefining German Unity: From Nationality to Citizenship، تذكر (ريفا كاستوريانو) أن القانون الألماني لم يكن يسمح بالحصول على الجنسية الألمانية إلا لمن هو« من أصل ألماني ». فحصل مهاجرون على الجنسية الألمانية، وفقاً لهذا المبدأ، فور وفودهم من شرق أوروبا بعد سقوط جدار برلين في عام ١٩٨٩، لا لشيء إلا لأن نسبهم يُعتبر ألمانياً، بينما يظل أجانب آخرون محرومين من حق الجنسية، مع أنهم مقيمون في ألمانيا منذ أكثر من ٣٠ سنة، لا لشيء إلا لأن نسبهم يُعتبر تركياً. وصدر قانون في عام ١٩٩٩ يسمح للطفل المولود في ألمانيا بأن يحصل على الجنسية الألمانية إذا كان أحد أبويه مقيماً في ألمانيا منذ ٨ سنوات على الأقل. ولكن هذا القانون الجديد لا يستجيب للمطالبة بالحصول على الجنسية الألمانية دون التنازل عن الجنسية الأصلية، فمفهوم الجنسية في ألمانيا مرتبط بفكرة الانتماء إلى الأمة الألمانية دون غيرها. غير أن مفهوم الأمة الألمانية كان وما زال مفهوماً عرقياً ودينياً في المقام الأول، فلا يسمح بأي اختلافات ثقافية. ولا يمكن أن يشارك الأجانب في السياسة إلا من خلال جمعيات تمثل مجموعات عرقية، مما يشجعهم على التمسك بقوميتهم غير الألمانية (التركية مثلاً)، ومن ثم إلى المطالبة بالجنسية المزدوجة. وتلخص (كاستوريانو) تقلبات العلاقات بين الأجانب والدولة في ألمانيا، ثم تشير إلى أن القضية الأساسية ليست الجنسية المزدوجة، وإنما هي المواطنة الكاملة التي لا يزال الأجانب يفتقرون إليها.

وتذكر (إفي فوكاس)، في فصلها Greece: Religion, Nation, and Membership in the European Union، أن الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية تلعب دوراً محورياً في تحديد مفهوم الأمة اليونانية، وذلك منذ عصر الدولة العثمانية، التي عهدت إلى البطريرك الأرثوذكسي اليوناني بالسيطرة الدينية والسياسية على « الملة » الأرثوذكسية، أي جميع الأرثوذكسيين في اليونان وبقية البلاد العثمانية. وأصبح الانتماء إلى الملة الأرثوذكسية يُعدّ مطابقاً للانتماء إلى الأمة اليونانية. وبقي هذا الارتباط بين الدين والقومية قائماً بعد استقلال اليونان، لا سيما خلال فترة الدكتاتورية العسكرية (١٩٦٧-١٩٧٤)، بالرغم من إبعاد الكنيسة عن السلطة السياسية وإخضاعها للدولة اليونانية. ولكن القومية اليونانية ونفوذ الكنيسة قد ضعفا بعض الشيء، بسبب تزايد التعدد الثقافي داخل البلد، بالإضافة إلى عضوية الدولة اليونانية في الاتحاد الأوروبي، التي أجبرتها على ضمان الحرية الدينية. غير أن المسيحية الأرثوذكسية ما زالت الدين الرسمي للدولة في الواقع، بل أن الكنيسة الأرثوذكسية ما زالت جزءاً من الدولة، فيتمتع الأرثوذكسيون بامتيازات لا يتمتع بها أتباع الديانات الأخرى. وتروي (فوكاس) بعض الصراعات التي خاضتها الكنيسة في السنوات الأخيرة من أجل التمسك بنفوذها. وتستنتج المؤلفة من كل هذا أن اندماج اليونان في الاتحاد الأوروبي قد يؤدي إلى قطع العلاقة بين الدين والقومية.

ويلفت (سونير تشاغابتاي) الانتباه، في فصل عنوانه Passage to Turkishness: Immigration and Religion in Modern Turkey، إلى غرابة استخدام كلمة « تركي » في تركيا الآن. فمعظم سكان تركيا يعتبرون تركياً كل مسلم مقيم في تركيا، حتى لو اعتبر نفسه كردياً أو بوسنياً مثلاً. أما من هو مقيم في تركيا وغير مسلم فلا يعدّ تركياً، حتى لو تكلم اللغة التركية. ويلخص (تشاغابتاي) تاريخ القومية التركية ليكشف أسباب ظهور هذا الرأي. فيثبت وجود تناقض بين الدعاية القومية التركية وبين ممارسات الدولة في الواقع، فيما بين الحربين العالميتين. فالدعاية جعلت من الإقامة في تركيا ومن استخدام اللغة التركية أساس الانتماء إلى الأمة التركية، بغض النظر عن الديانة. ولكن سياسة الهجرة كانت معتمدة على فكرة أن أي مسلم وافد إلى تركيا من البلاد العثمانية السابقة ــ إن لم يكن عربياً ــ إنما هو تركي. ورغم ازدياد أهمية فكرة العرق التركي في المفهوم الرسمي للأمة التركية منذ الثلاثينات، لا سينما في سياسة الدولة تجاه الأكراد، إلا أن الإسلام يظل عنصراً مهماً من عناصر هذا المفهوم. ولكن (تشاغابتاي) يرى أن الإصلاحات التي قامت بها أنقرة لتلبية شروط الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فيما يتعلق بحقوق الأقليات الدينية واللغوية، أثارت جدلاً في تركيا قد يؤدي إلى تغيير كبير في القومية التركية.

ويركز (آلان ديكهوف)، في فصله The Nation in Israel: Between Democracy and Ethnicity، على العلاقة بين الدين والدولة في إسرائيل، وتأثير هذه العلاقة على المواطنين العرب في تلك الدولة. ويشير أولاً إلى أن وثيقة الاستقلال لدولة إسرائيل تحتوي على التباس مقصود، فإن مؤلفيها استخدموا عبارات قد توحي بأن إسرائيل دولة علمانية أو جزء من رسالة دينية، وذلك لكي يرضوا أتباع الصهيونية العلمانية والصهيونية الدينية في آن واحد. ويؤكد (ديكهوف) على أن هذا الالتباس يعكس تناقضاً في صميم المشروع الصهيوني. فإن القادة العلمانيين لم يجدوا أي معايير غير دينية لتعريف الرابطة القومية اليهودية. لذلك أصبح الدين اليهودي هو الدين الرسمي للدولة في كل شيء ما عدا الاسم، واستحوذت الحاخامية الأرثوذكسية على وضع معايير لتحديد من هو يهودي. وواضح أن الطابع اليهودي لمؤسسات الدولة يؤدي إلى تمييز صارخ ضد المواطنين العرب في إسرائيل. ويشير (ديكهوف) إلى أن الأمة اليهودية مجتمع وهمي مثل كل الأمم، فلم يمكن أن يقتنع المهاجرون اليهود أنها حقيقية إلا إذا نشأت ثقافة مشتركة تجمع بينهم جميعاً، بما فيهم المثقف الألماني الشيوعي والراعي اليمني الأمي، على سبيل المثال. ويؤكد أن الخدمة العسكرية، التي يعفى منها غير اليهود، لعبت دوراً محورياً في تكوين هذه الثقافة المشتركة. ثم يلخص السياسات القمعية التي يتعرض لها المواطنون العرب في إسرائيل منذ إنشائها. ويقترح تحويل إسرائيل إلى دولة قائمة على الديمقراطية الطائفية على غرار لبنان، لكي تضمن المساواة بين اليهود والعرب.

ولكن النموذج اللبناني هو ما ينتقده (موروس رينكوفسكي) و(صوفيا سعادة) في فصلهما، A Nation Divided: Lebanese Confessionalism.‏ ويذكران أن النظام السياسي اللبناني يضمن توزيع المناصب السياسية بين الطوائف الدينية، ويجعل من نخب الطوائف أهم الفاعلين السياسيين. كانت المؤسسات السياسية الطائفية منتشرة في الدولة العثمانية، ثم زالت بعد انهيار تلك الدولة في بعض البلاد وبقيت في لبنان، ربما لأن الطائفية سمحت للموارنة بالحفاظ على سلطتهم مقابل إشراك الطوائف الأخرى في الحكم. ويشير المؤلفان إلى أن التفسير الأكثر قبولاً للدور الذي لعبته الطائفية في نشوب الحرب الأهلية اللبنانية (١٩٧٥-١٩٩٠) هو أن عملية التوصل إلى الإجماع كانت هشة متداعية وعرضة للشَلَل، فكان لبنان عرضة للتأثيرات الخارجية السلبية، وكان من المحتمل أن تتحول أي أزمة سياسية إلى حرب أهلية. ويحلل (رينكوفسكي) و(سعادة) اتفاق الطائف الذي وضع حداً للحرب الأهلية، والدستور الصادر في عام ١٩٩٠ بناءً على هذا الاتفاق، فيتضح أن هاتين الوثيقتين لم تنصا على القضاء على الطائفية. ثم يلخص المؤلفان المناقشات التي دارت في لبنان حول الطائفية منذ نهاية الحرب الأهلية، ويركزان على مصير مشروع الزواج المدني الذي طرحه الرئيس اللبناني السابق إلياس الهراوي في عام ١٩٩٨، والذي أجهضته الشخصيات الدينية لأنه كان من شأنه أن يقلل من سلطتها. ويشيران إلى أن النظام الطائفي اللبناني يمنع العلمانيين من ترشيح أنفسهم للانتخابات البرلمانية، وأن كثيراً من اللبنانيين الذين يرفضون الطائفية يُضطرون إلى الهجرة، لأن موقفهم من الطائفية يحرمهم من نصرة طوائفهم، التي لا بد منها للحصول على عمل في لبنان.

ويؤكد سامي زبيدة، في فصله The Rise and Fall of Civil Society in Iraq، أن العراق شهد تشكل مجتمع مدني حديث ونشط في القرن العشرين، وأن هذا مكّن العراقيين من الالتفاف حول التزامات سياسية غير طائفية، إلى أن تم قمع المجتمع المدني، خاصة في ظل النظام البعثي. و يلخص زبيدة تاريخ العراق في القرن العشرين، ويركز على ظهور تيارات سياسية قادرة على جمع أشخاص من طوائف مختلفة، لا سينما في ظل حكم عبد الكريم قاسم (١٩٥٨-١٩٦٣)، على الرغم مما شهدته تلك الفترة من قمع وصراعات سياسية عنيفة. ثم أطاح انقلاب بعثي بنظام قاسم، وأقام حكماً عسكرياً على أساس عشائري، مما أدى إلى سيطرة شِلَل سنية على البلد. ويروي زبيدة حياة شخصين نال كل منهما قدراً كبيراً من الاستقلال عن انتمائه الطائفي، وشارك في المجتمع المدني الذي ازدهر في العراق إلى حين. وأولهما الشاعر الشهير محمد مهدي الجواهري (١٩٠٣-١٩٩٩)، وثانيهما طبيب يهودي غير معروف (١٩١٥-٢٠٠٢) يعطيه المؤلف الاسم المستعار « الدكتور ناجي ». ولكن النظام البعثي قمع هذا المجتمع المدني، ومنع كل الاختلافات السياسية، وأقر سيطرة الطائفة السنية على الطائفة الشيعية، وذلك باسم القومية العربية. لهذا فإن أبرز القوى السياسية في فترة ما بعد صدام حسين هي المؤسسات الدينية والقيادات القبلية والطائفية. إلا أن المؤلف يرى أن الشباب قد يحاولون إعادة بناء المجتمع المدني في العراق إذا تحسن الوضع الأمني.

وفي خاتمة الكتاب، Concluding Thoughts: Transcending the Nation-State?‎، يستنتج (هالدون غولالب) أن التجانس الثقافي هو أحد المثل العليا للدولة القومية، وأن هذا المثال يؤدي إلى التفاوت الاجتماعي، لأنه يسبتعد من لا يماثل النمط المقبول لأفراد الأمة. ولكن إتاحة حقوق جماعية للأقليات لا يمكن أن تحل هذه المشكلة، لأنها تسفر عن انتهاك حقوق الفرد. فلا بد إذن من تعزيز الحقوق الديمقراطية لجميع الأفراد، لمنع التمييز ولتمكينهم من تشكيل تحالفات وجماعات سياسية من أنواع مختلفة بحرية على حسب الظروف. وتتطلب هذه الرؤية للديمقراطية التخلي عن فكرة الدولة القومية، أو بعبارة أخرى، الفصل بين المواطنة والانتماء القومي. ويشير (غولالب) إلى أن العولمة تضعف سيادة الدول، وبالتالي فإنه يجب إنشاء ديمقراطية فوق وطنية.

ويمكن تنزيل نسخة إلكترونية من الكتاب مجاناً.

2009/09/20

التخطيط الحضري والهندسة المعمارية والاستيطان في القدس

في العدد الحالي من مجلة Jerusalem Quarterly فصل (متاح للتنزيل مجاناً) من كتاب Hollow Land: Israel’s Architecture of Occupation لـ(إيال وايزمان)، أستاذ الهندسة المعمارية بكلية (غولدسميثس) التابعة لجامعة لندن. ويحلل (وايزمان) في هذا الفصل استخدام إسرائيل للتخطيط الحضري والهندسة المعمارية للحد من عدد السكان الفلسطينيين في القدس، من خلال الحد من البناء في الأحياء الفلسطينية وتكثيف البناء في الأحياء اليهودية، على سبيل المثال. ولقد أسفرت هذه السياسات عن تفاقم الازدحام وارتفاع أسعار العقارات في الأحياء الفلسطينية، مما اضطر الكثير من سكانها إلى الانتقال إلى مناطق أخرى في الضفة الغربية، حيث فقدوا حقهم في خدمات الدولة مثل الرعاية الصحية. فهدف هذه السياسات في واقع الأمر هو الهجرة القسرية، التي يجرمها القانون الدولي. وتوجد في نفس العدد مراجعة للكتاب بقلم سليم تماري، رئيس تحرير المجلة.

2009/09/18

الصين وأفريقيا

العدد الحالي من مجلة China Quarterly (الصادرة عن جامعتي، كلية الدراسات الشرقية والأفريقية التابعة لجامعة لندن) مخصص لبحث العلاقات بين الصين وأفريقيا. وتشير (جوليا ستراوس) و(مارثا سافيدرا)، في مقدمة العدد، إلى أن التجارة بين الصين وأفريقيا قد نمت بسرعة هائلة منذ عام ٢٠٠١، وأن الصين تلعب دوراً دبلوماسياً مهماً في السودان على سبيل المثال. ولكن الأبحاث العلمية عن هذه العلاقات ما زالت قليلة، فيرمي هذا العدد إلى سد هذا الفراغ.

ومن بين هذه الأبحاث، تتناول مقالة (دانييل لارج)، China's Sudan Engagement: Changing Northern and Southern Political Trajectories in Peace and War، تطور تعامل الصين مع السياسة السودانية الداخلية والخارجية على مدى العشرين سنة الماضية. يذكر (لارج) أن الصين أصبحت أهم شريك تجاري للسودان في التسعينات من القرن العشرين، خصوصاً من خلال استثماراتها في قطاع النفط، وأصبحت في نفس الوقت أهم حليف للخرطوم، بعد أن تولى حزب المؤتمر الوطني برئاسة عمر البشير الحكم في عام ١٩٨٩. ويذكر المؤلف أيضاً أن حكم حزب المؤتمر يتصف، شأنه شأن كل الأنظمة التي توالت على السودان منذ قرون طويلة، بسلطة مركزية يطغي حكامها على أطراف البلاد، معتقدين أنهم متفوقون على سكان الأطراف ثقافياً، مما أدى إلى تهميش الأطراف اقتصادياً وسياسياً وبالتالي إلى حروب أهلية مستمرة. فاستعانت الحكومة السودانية بالصين في مواجهة الأزمات السياسية التي نتجت، داخل السودان وفي علاقاته الخارجية، عن الحرب الأهلية الأخيرة وطموحات الخرطوم التوسعية. ووطد دعمُ الصين لحزب المؤتمر سلطة الحزب، فجعل من المنشآت النفطية الصينية أهدافاً للجماعات المسلحة المعارضة للحكومة السودانية. زد على ذلك أن الحكومة الصينية كانت ترى أن سياسات الرئيس عمر البشير تضر بسمعتها. لذلك بدأت الصين تضغط قليلاً على الحكومة السودانية، ومثال ذلك دعم الصين لنشر قوة تابعة للأمم المتحدة لحفظ السلام في دارفور. ويلفت المؤلف الانتباه إلى أن الصين، على الرغم من التزامها المألوف بمبدأ الاحترام الكامل لسيادة الدول، قد تخلت عن هذا مبدأ بعض الشيء في السودان، لأنها لم تستطع أن تتجاهل عجز الدولة السودانية عن السيطرة الفعالة على أراضيها. فعززت الصين مثلاً علاقاتها بالنخبة السياسية في جنوب السودان. ولكن المؤلف يشك في أن تؤدي هذه العلاقات إلى إزالة المظالم عن سكان المناطق المنتجة للنفط في الجنوب.

2009/08/31

العلاقات بين السلطة ورجال الدين

متى يتعاون رجال الدين مع السلطة، ومتى يعارضونها؟ تقترح (جولي تايلور)، في مقالتها Prophet Sharing: Strategic Interaction Between Muslim Clerics and Middle Eastern Regimes المنشورة في عدد أبريل ٢٠٠٨ من مجلة Journal of Islamic Law and Culture، والمتاحة للتنزيل مجاناً، نظرية ترمي إلى تحديد العوامل التي تحمل العلماء في الشرق الأوسط على شرعنة السلطة في بلدهم أو نقض ولائهم لها. وتفترض المؤلفة أن موقف رجال الدين من السلطة تعتمد على استراتيجيات عقلانية تهدف إلى تعزيز مكانتهم ونفوذهم في المجتمع من ناحية، وإلى الحصول على الامتيازات التي قد يوفرها لهم النظام من ناحية أخرى. وبناء على ذلك فإن المؤلفة تقدم نظرية تتنبأ بأن رجال الدين غالباً لن يؤيدوا المعارضة السياسية إلا إذا اكتسبت شعبية واسعة أولاً، وأن من شأن العلماء الذين يشغلون مواقع متوسطة في التراتب الديني أن يسبقوا النخب الدينية إلى الاعتراض على السلطة. ثم تثبت المؤلفة أن نظريتها تمكّنها من تفسير العلاقات بين السلطة ورجال الدين في مصر في عهد الرئيس حسني مبارك، كما في إيران في السبعينات وفي أعقاب الثورة الإسلامية.