2010/06/28

هل تصنع الأحزاب الانقسامات الاجتماعية؟

يشير (سيدريك دي ليون) و(مانالي ديساي) و(جهان طوغال)، في مقالتهم Political Articulation: Parties and the Constitution of Cleavages in the United States, India, and Turkey، الصادرة في عدد سبتمبر ٢٠٠٩ من مجلة Sociological Theory والمتاحة للتنزيل مجاناً، إلى أن الأبحاث الاجتماعية غالباً ما تفترض أن طبيعة الأحزاب السياسية تعكس طبيعة الانقسامات الموجودة في المجتمع.  يتشكك المؤلفون في هذا الافتراض، ويحاولون إثبات العكس، أي أن الانقسامات لا توجد قبل أن تبنيها الأحزاب.

يركزون على ثلاثة مشروعات سياسية حديثة: إنشاء الأحياء المتجانسة عرقياً في الولايات المتحدة، والتعبئة الإسلامية في تركيا، والقومية الهندوسية في الهند.  لقد أدى كل من هذه المشروعات إلى تكوين مجموعة عرقية أو عرقية-دينية.  فيسأل المؤلفون: لماذا ظهرت هذه المجموعات دون غيرها؟  ويؤكدون أن كلها تبلورت بفضل جهود أحزاب معينة: الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة، وحزب العدالة والتنمية في تركيا، وحزب (بهاراتيا جاناتا) في الهند.

يذكرون أن في العلوم الاجتماعية تياراً « متمركزاً على الدولة » يرجع إلى عالِم الاجتماع (ماكس فيبر).  يعرّف هذا التيار الدولة على أنها مؤسسة تحتكر وسائل القسر في إقليم معين، ويرى أن الدولة الحديثة استقلت عن المجتمع، فتنتهز موقعها بين الطبقات، بالإضافة إلى موقعها في النظام الدولي، لاستخراج الموارد وتعزيز قدراتها الإدارية.  ينتقد المؤلفون هذا التيار، بناءً على مقالة مشهورة لـ(تيموثي ميتشيل) أشار فيها إلى أن فكرة الدولة تركيب سياقي في حد ذاتها، فالحدود بين الدولة وبين المجتمع ليست معطاة، وإنما يتم تحديد معنى « الدولة » ومعنى « المجتمع » حسب سياق الحديث.  فيؤكد المؤلفون أن الأحزاب تلعب دوراً مهماً في تحديد هذه المعاني.

ثم يتطرقون إلى نظريات الحركات الاجتماعية.  تعزو نظرية « الفرص السياسية » التغيير السياسي إلى انقسامات داخل النخبة الحاكمة، واستراتيجيات هذه النخبة واستعدادها لاستخدام العنف ضد المعارضة.  أما نظرية « تعبئة الموارد » فإنها تركز على قدرة النشطاء على تراكم موارد من شأنها أن تفيد نشاطهم السياسي.  لا تلعب الأحزاب دوراً مهماً في هاتين النظريتين.  غير أن تناولاً آخر نشأ في الآونة الأخيرة يأخذ في الاعتبار ما يسمى « التأطير »، فيفترض أنه لا يمكن أن تنجح أي حركة اجتماعية دون أن تقدم خطاباً يطابق الـ« أطر » المفهومية التي يتصور بها جمهور الحركة مظالمه.  يوافق المؤلفون على أهمية التأطير في نجاح التعبئة، ولكنهم لا يعتبرون المظالم معطاة، وإنما يقولون إن كل حزب يعرّف المظالم بطريقة تناسب مشروعه السياسي.

وبناءً على فكر الفيلسوف الماركسي (لوي ألتوسير) فإنهم يؤكدون أن الأحزاب (والمنظمات السياسية بشكل عام) تبني المظالم من خلال تصنيف الأفراد وفق معايير أيديولوجية، وأن الناس ليس لهم مظالم أو قضايا واضحة محددة خارج هذه العملية.  وعلاوة على ذلك فإن أحزاباً متنافسة قد تصنف نفس الشخص وفق مسميات مختلفة، مثل المسلم المظلوم، أو العاطل عن العمل، أو البروليتاري، مما يؤدي إلى نتائج سياسية مختلفة.  هكذا تكوّن الأحزاب فئات اجتماعية، من خلال إقناع الأفراد بتصنيف أنفسهم بطرق معينة.  ومعنى ذلك ليس أن الأحزاب تستطيع أن تبني الانقسامات الاجتماعية كما تشاء، بغض النظر عن الظروف الاقتصادية والقواعد المؤسسية وما إلى ذلك، بل أنها تلعب دوراً رئيسياً في الاختيار بين الانقسامات المحتملة في الظروف السائدة.  ويشير المؤلفون إلى أوجه الشبه بين هذه الحجة وبين نظريات (أنتونيو گرامشي) و(بيير بورديو)، اللذين اعتبرا أن الصراعات تبني الطبقات، والفئات الاجتماعية بصورة عامة.

ثم يتناولون أمثلتهم الثلاثة.  أما أمريكا فيذكرون أولاً أن السياسات الاقتصادية للحزب الديمقراطي، الذي تولى الحكم أثناء الكساد الكبير (في الثلاثينات من القرن العشرين) وفي فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، رمت إلى تشجيع الاستهلاك، فعرّفت الدولة المواطن على أنه مستهلك يقوم بواجبه الوطني من خلال الاستهلاك.  وكان تشجيع شراء المنزل الذي تسكنه أسرة واحدة من أهم ركائز هذه السياسة، التي أعطت الأولوية لتوفير رهون عقارية للأسر البيضاء التي اشترت منازل في ضواحي المدن، وذلك من أجل تكوين أحياء متجانسة عرقياً للبيض في الضواحي، وإبقاء السود في الأحياء الفقيرة داخل المدن.  هكذا نظر كثير من البيض، الذين لم يدركوا عنصرية سياسات التخطيط الحضري، إلى الفصل العنصري المتزايد على أنه نتيجة للجدارة الفردية بدلاً من العنصرية الجماعية.  بالتالي، عندما قامت حركة الحقوق المدنية في الخمسينات، بالتعاون مع إحدى فصائل الحزب الديمقراطي، اعترض عليها كثير من البيض، ليس باسم العنصرية وإنما باسم حقوق المستهلك.  ورغم النجاح النسبي الذي حققته حركة الحقوق المدنية في النصف الثاني من القرن العشرين، إلا أن الحزبين الديمقراطي والجمهوري لا يزالان يتنازعان أصوات هذا تحالف من الناخبين البيض حتى الآن.

أما حزب (بهاراتيا جاناتا) في الهند فتأسس في عام ١٩٨٠، وتولى الحكم من عام ١٩٩٨ إلى عام ٢٠٠٤.  لقد اعتنق الحزب عدة أيديولوجيات متعارضة على التوالي، بما فيها سياسة الحماية الاقتصادية وسياسة تحرير التجارة.  ولكنه صنّف دائماً ناخبيه على أنهم هندوس يظلمهم المسلمون والمسيحيون، واستخدم خطاباً شعبوياً قائماً على القومية الثقافية الهندوسية، فاكتسب تأييد ناخبين هندوس متنوعين ذوي مصالح متضاربة.  أدى هذا التضارب داخل الحزب إلى هزمه في انتخابات عام ٢٠٠٤، لأن سياساته الاقتصادية كانت قد أفادت الأغنياء بينما كانت أحوال الفقراء وجزء من الطبقة المتوسطة قد تدهورت في ظل حكمه.  يشير المؤلفون إلى أن النظريات السياسية السائدة غير قادرة على تفسير وصول حزب (بهاراتيا جاناتا) إلى السلطة، فإن الظروف لم تتح فرصاً سياسية للقومية الدينية فحسب، وإنما لمشروعات أخرى أيضاً، مثل يسار الوسط.  فيعزو المؤلفون نجاح الحزب القومي الهندوسي إلى جهوده الرامية إلى تكوين فئة اجتماعية وتطبيعها من خلال إقناع الناس بتصنيف أنفسهم بطريقة معينة.

لا يختلف الأمر كثيراً في حالة تركيا.  تأسس أول حزب إسلامي جماهيري في تركيا في عام ١٩٧٠، وجمع بين فئات مختلفة، من خلال إعادة تعريف قضايا سياسية خاصة بأحزاب يمين الوسط على أنها قضايا إسلامية، باسم مشروع ديني غير واضح طالبَ بالعدالة الاجتماعية.  منعت الدولة الأحزاب الإسلامية الواحد تلو الأخر.  وفي الثمانينات والتسعينات، أصبح الحزب الإسلامي ميدان تنافس بين مطالب سياسية متعارضة، مما أدى إلى اعتدالها جميعاً وتكوين موقف مشترك متوسط، وتعريف الناخب الإسلامي المتوسط على أنه صاحب هذا الموقف، الأمر الذي لم يكن ليحدث لولا الحزب.  غيرت الأحزاب الإسلامية مواقفها الاقتصادية والسياسية وفقاً للظروف، فتبنّت الليبرالية الجديدة في بداية القرن الحادي والعشرين، شأنها في ذلك شأن حزب (بهاراتيا جاناتا) الهندي.  وحاول حزب العدالة والتنمية التصالح مع النخبة العلمانية الحاكمة، واكتسب تأييد الكثير من ناخبي يمين الوسط العلماني وشخصياته البارزة، فحقق فوزاً انتخابياً كبيراً في عام ٢٠٠٢ كما في عام ٢٠٠٧.

وفي الخاتمة، يقول المؤلفون إن نتائج هذا البحث تثبت أن المشروعات السياسية الهادفة إلى الهيمنة تفشل عندما لا تؤيدها أحزاب تقوم بالعمل الذي يتطلبه تطبيع فئات اجتماعية جديدة تستطيع أن تحل محل التكتلات المسيطرة.  ويضيفون أن من شأن تناولهم لدور الأحزاب في بناء الانقسامات الاجتماعية أن ينطبق على حالات أخرى، بما فيها جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وحركة حماس في فلسطين، والمؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا.

هناك 3 تعليقات:

Amr يقول...

العزيز بنيامين
أكتبها بنيامين كما ننطقها بمصـر بإغفال حرف الجي
لن تكفي تلك السطور في الرد على مقالك الرائع أنتظر خلال يومين ردا كاملا لأن لي ملاحظات كثيرة تحتاج للمراجعة

بنجامين گير يقول...

عزيزي عمرو، لا مانع من أن تنطق اسمي كما تشاء، ولكن والدتي تقول « بنجامين » (بالجيم الشامية) فأفضّل هذا النطق. :) وأنتظر ملاحظاتك بفارغ الصبر.

افروديت يقول...

hi benymin /depth but reply needs time .. wonderful effort thank you sire