2010/06/28

هل تصنع الأحزاب الانقسامات الاجتماعية؟

يشير (سيدريك دي ليون) و(مانالي ديساي) و(جهان طوغال)، في مقالتهم Political Articulation: Parties and the Constitution of Cleavages in the United States, India, and Turkey، الصادرة في عدد سبتمبر ٢٠٠٩ من مجلة Sociological Theory والمتاحة للتنزيل مجاناً، إلى أن الأبحاث الاجتماعية غالباً ما تفترض أن طبيعة الأحزاب السياسية تعكس طبيعة الانقسامات الموجودة في المجتمع.  يتشكك المؤلفون في هذا الافتراض، ويحاولون إثبات العكس، أي أن الانقسامات لا توجد قبل أن تبنيها الأحزاب.

يركزون على ثلاثة مشروعات سياسية حديثة: إنشاء الأحياء المتجانسة عرقياً في الولايات المتحدة، والتعبئة الإسلامية في تركيا، والقومية الهندوسية في الهند.  لقد أدى كل من هذه المشروعات إلى تكوين مجموعة عرقية أو عرقية-دينية.  فيسأل المؤلفون: لماذا ظهرت هذه المجموعات دون غيرها؟  ويؤكدون أن كلها تبلورت بفضل جهود أحزاب معينة: الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة، وحزب العدالة والتنمية في تركيا، وحزب (بهاراتيا جاناتا) في الهند.

يذكرون أن في العلوم الاجتماعية تياراً « متمركزاً على الدولة » يرجع إلى عالِم الاجتماع (ماكس فيبر).  يعرّف هذا التيار الدولة على أنها مؤسسة تحتكر وسائل القسر في إقليم معين، ويرى أن الدولة الحديثة استقلت عن المجتمع، فتنتهز موقعها بين الطبقات، بالإضافة إلى موقعها في النظام الدولي، لاستخراج الموارد وتعزيز قدراتها الإدارية.  ينتقد المؤلفون هذا التيار، بناءً على مقالة مشهورة لـ(تيموثي ميتشيل) أشار فيها إلى أن فكرة الدولة تركيب سياقي في حد ذاتها، فالحدود بين الدولة وبين المجتمع ليست معطاة، وإنما يتم تحديد معنى « الدولة » ومعنى « المجتمع » حسب سياق الحديث.  فيؤكد المؤلفون أن الأحزاب تلعب دوراً مهماً في تحديد هذه المعاني.

ثم يتطرقون إلى نظريات الحركات الاجتماعية.  تعزو نظرية « الفرص السياسية » التغيير السياسي إلى انقسامات داخل النخبة الحاكمة، واستراتيجيات هذه النخبة واستعدادها لاستخدام العنف ضد المعارضة.  أما نظرية « تعبئة الموارد » فإنها تركز على قدرة النشطاء على تراكم موارد من شأنها أن تفيد نشاطهم السياسي.  لا تلعب الأحزاب دوراً مهماً في هاتين النظريتين.  غير أن تناولاً آخر نشأ في الآونة الأخيرة يأخذ في الاعتبار ما يسمى « التأطير »، فيفترض أنه لا يمكن أن تنجح أي حركة اجتماعية دون أن تقدم خطاباً يطابق الـ« أطر » المفهومية التي يتصور بها جمهور الحركة مظالمه.  يوافق المؤلفون على أهمية التأطير في نجاح التعبئة، ولكنهم لا يعتبرون المظالم معطاة، وإنما يقولون إن كل حزب يعرّف المظالم بطريقة تناسب مشروعه السياسي.

وبناءً على فكر الفيلسوف الماركسي (لوي ألتوسير) فإنهم يؤكدون أن الأحزاب (والمنظمات السياسية بشكل عام) تبني المظالم من خلال تصنيف الأفراد وفق معايير أيديولوجية، وأن الناس ليس لهم مظالم أو قضايا واضحة محددة خارج هذه العملية.  وعلاوة على ذلك فإن أحزاباً متنافسة قد تصنف نفس الشخص وفق مسميات مختلفة، مثل المسلم المظلوم، أو العاطل عن العمل، أو البروليتاري، مما يؤدي إلى نتائج سياسية مختلفة.  هكذا تكوّن الأحزاب فئات اجتماعية، من خلال إقناع الأفراد بتصنيف أنفسهم بطرق معينة.  ومعنى ذلك ليس أن الأحزاب تستطيع أن تبني الانقسامات الاجتماعية كما تشاء، بغض النظر عن الظروف الاقتصادية والقواعد المؤسسية وما إلى ذلك، بل أنها تلعب دوراً رئيسياً في الاختيار بين الانقسامات المحتملة في الظروف السائدة.  ويشير المؤلفون إلى أوجه الشبه بين هذه الحجة وبين نظريات (أنتونيو گرامشي) و(بيير بورديو)، اللذين اعتبرا أن الصراعات تبني الطبقات، والفئات الاجتماعية بصورة عامة.

ثم يتناولون أمثلتهم الثلاثة.  أما أمريكا فيذكرون أولاً أن السياسات الاقتصادية للحزب الديمقراطي، الذي تولى الحكم أثناء الكساد الكبير (في الثلاثينات من القرن العشرين) وفي فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، رمت إلى تشجيع الاستهلاك، فعرّفت الدولة المواطن على أنه مستهلك يقوم بواجبه الوطني من خلال الاستهلاك.  وكان تشجيع شراء المنزل الذي تسكنه أسرة واحدة من أهم ركائز هذه السياسة، التي أعطت الأولوية لتوفير رهون عقارية للأسر البيضاء التي اشترت منازل في ضواحي المدن، وذلك من أجل تكوين أحياء متجانسة عرقياً للبيض في الضواحي، وإبقاء السود في الأحياء الفقيرة داخل المدن.  هكذا نظر كثير من البيض، الذين لم يدركوا عنصرية سياسات التخطيط الحضري، إلى الفصل العنصري المتزايد على أنه نتيجة للجدارة الفردية بدلاً من العنصرية الجماعية.  بالتالي، عندما قامت حركة الحقوق المدنية في الخمسينات، بالتعاون مع إحدى فصائل الحزب الديمقراطي، اعترض عليها كثير من البيض، ليس باسم العنصرية وإنما باسم حقوق المستهلك.  ورغم النجاح النسبي الذي حققته حركة الحقوق المدنية في النصف الثاني من القرن العشرين، إلا أن الحزبين الديمقراطي والجمهوري لا يزالان يتنازعان أصوات هذا تحالف من الناخبين البيض حتى الآن.

أما حزب (بهاراتيا جاناتا) في الهند فتأسس في عام ١٩٨٠، وتولى الحكم من عام ١٩٩٨ إلى عام ٢٠٠٤.  لقد اعتنق الحزب عدة أيديولوجيات متعارضة على التوالي، بما فيها سياسة الحماية الاقتصادية وسياسة تحرير التجارة.  ولكنه صنّف دائماً ناخبيه على أنهم هندوس يظلمهم المسلمون والمسيحيون، واستخدم خطاباً شعبوياً قائماً على القومية الثقافية الهندوسية، فاكتسب تأييد ناخبين هندوس متنوعين ذوي مصالح متضاربة.  أدى هذا التضارب داخل الحزب إلى هزمه في انتخابات عام ٢٠٠٤، لأن سياساته الاقتصادية كانت قد أفادت الأغنياء بينما كانت أحوال الفقراء وجزء من الطبقة المتوسطة قد تدهورت في ظل حكمه.  يشير المؤلفون إلى أن النظريات السياسية السائدة غير قادرة على تفسير وصول حزب (بهاراتيا جاناتا) إلى السلطة، فإن الظروف لم تتح فرصاً سياسية للقومية الدينية فحسب، وإنما لمشروعات أخرى أيضاً، مثل يسار الوسط.  فيعزو المؤلفون نجاح الحزب القومي الهندوسي إلى جهوده الرامية إلى تكوين فئة اجتماعية وتطبيعها من خلال إقناع الناس بتصنيف أنفسهم بطريقة معينة.

لا يختلف الأمر كثيراً في حالة تركيا.  تأسس أول حزب إسلامي جماهيري في تركيا في عام ١٩٧٠، وجمع بين فئات مختلفة، من خلال إعادة تعريف قضايا سياسية خاصة بأحزاب يمين الوسط على أنها قضايا إسلامية، باسم مشروع ديني غير واضح طالبَ بالعدالة الاجتماعية.  منعت الدولة الأحزاب الإسلامية الواحد تلو الأخر.  وفي الثمانينات والتسعينات، أصبح الحزب الإسلامي ميدان تنافس بين مطالب سياسية متعارضة، مما أدى إلى اعتدالها جميعاً وتكوين موقف مشترك متوسط، وتعريف الناخب الإسلامي المتوسط على أنه صاحب هذا الموقف، الأمر الذي لم يكن ليحدث لولا الحزب.  غيرت الأحزاب الإسلامية مواقفها الاقتصادية والسياسية وفقاً للظروف، فتبنّت الليبرالية الجديدة في بداية القرن الحادي والعشرين، شأنها في ذلك شأن حزب (بهاراتيا جاناتا) الهندي.  وحاول حزب العدالة والتنمية التصالح مع النخبة العلمانية الحاكمة، واكتسب تأييد الكثير من ناخبي يمين الوسط العلماني وشخصياته البارزة، فحقق فوزاً انتخابياً كبيراً في عام ٢٠٠٢ كما في عام ٢٠٠٧.

وفي الخاتمة، يقول المؤلفون إن نتائج هذا البحث تثبت أن المشروعات السياسية الهادفة إلى الهيمنة تفشل عندما لا تؤيدها أحزاب تقوم بالعمل الذي يتطلبه تطبيع فئات اجتماعية جديدة تستطيع أن تحل محل التكتلات المسيطرة.  ويضيفون أن من شأن تناولهم لدور الأحزاب في بناء الانقسامات الاجتماعية أن ينطبق على حالات أخرى، بما فيها جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وحركة حماس في فلسطين، والمؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا.

2010/05/14

حملة مقاطعة إسرائيل

تذكر أبيگيل باكان وياسمين أبو لبن، في مقالتهما Palestinian Resistance and International Solidarity: The BDS Campaign، الصادرة في العدد الأول لعام ٢٠٠٩ من مجلة Race and Class، أن حرب إسرائيل على غزة في ديسمبر ٢٠٠٨ ويناير ٢٠٠٩ أحدثت موجة جديدة من التضامن الدولي مع الفلسطينيين.  ومثال ذلك مقالة نشرتها الصحافية الكندية المشهورة (ناعومي كلاين)، في الصحيفة البريطانية (ذي گارديان) والصحيفة الأمريكية (ذي نيشن)، لتأييد حملة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، من أجل عزلها كما عُزلت أفريقيا الجنوبية في النصف الثاني من القرن العشرين، الأمر الذي ساهم في انهيار نظام الفصل العنصري (الأبارتيد) في ذلك البلد.

تشير المؤلفتان إلى أنه كثيراً ما يصعب على الباحث أن يقدم بحثاً عن القضية الفلسطينية دون أن يعزو بعض القراء نتائج البحث إلى أصل الباحث بدلاً من منهجه العلمي.  فتصارحان بأصليهما لئلا تصرف الصورُ النمطية الانتباهَ عن مضمون حجتهما.  أما أبيگيل باكان فهي يهودية تعيش في كندا، وهي متحدرة من لاجئين هربوا من أوروبا الشرقية بسبب المذابح المنظمة ضد اليهود، وتذكر قتل بعض أفراد عائلتها في الهولوكوست.  وأما ياسمين أبو لبن فهي من فلسطينيي الشتات، فإن العنف الصهيوني هجّر عائلة أبيها من فلسطين في عام ١٩٤٨، ثم استقر أبوها في كندا مع أمها الأمريكية.

ترى الباحثتان أن حملة المقاطعة خطوة إيجابية بالنسبة للتضامن الدولي وتقدُّم الحركات الاجتماعية، وأنها قد تزعزع الصهيونية.  تستخدمان، في تفسيرهما لتاريخ حملة المقاطعة، مفهوم « العقد العرقي » للفيلسوف (تشارلز ميلز).  يرى (ميلز) أن العنصرية بمثابة نظام سياسي ضمني في الدول الديمقراطية الحديثة يقوم على فكرة أن البيض وحدهم بشر وأن غير البيض ليسوا إلا أنصاف بشر.  فتؤكد باكان وأبو لبن، بناءً على نظرية (ميلز)، أن هناك عقد عرقي دولي، منذ عام ١٩٤٨، يطابق بين مصالح إسرائيل ومصالح الدول الكبرى، ويفترض أن الفلسطينيين أنصاف بشر لا يستحقون دولة.  وتعتبر المؤفلتان هذا العقد العرقي أحد عناصر الهيمنة الثقافية (بالمعنى الذي حدده المفكر الماركسي أنتونيو گرامشي) التي تساهم في سيطرة النخبة الغربية على العالم.

مما يصعّب مواجهة الصهيونية في الغرب أن الصهيونية، باعتبارها رد فعل على كراهية اليهود في أوروبا وأمريكا الشمالية، تدّعي مناهضة العنصرية، بينما تخدم الاستعمار العنصري في الشرق الأوسط.  وطبقاً للعقد العرقي فإن الباحثين الذين ينتقدون إسرائيل، بما فيهم باحثون يهود من أمثال (نورمان فنكلستين) و(إيلان بابي) و(أوري ديفيس)، يواجهون محاولات شرسة لإسكاتهم.  يندرج بعض هؤلاء الباحثين في تيار « المؤرخين الجدد » الإسرائيليين، الذين أعادوا كتابة تاريخ إسرائيل والصهيونية من خلال التركيز على تجارب الفلسطينيين، خاصة في النكبة، فقدّموا تاريخ إسرائيل من منظور « ما بعد صهيوني ».  وتشير المؤفلتان إلى أن حملة المقاطعة تعتمد اعتماداً كبيراً على أبحاث هذا التيار.

ثم تلخصان تاريخ حملات مقاطعة إسرائيل.  قاطع فلسطينيون الشركات والمنتجات الصهيونية في ظل الانتداب البريطاني على فلسطين قبل عام ١٩٤٨.  ولا تزال المقاطعة من قِبَل المستهلكين مهمة، إلا أن حملة المقاطعة الحالية تطالب بمشاركة الدول أيضاً.  لقد نادت جامعة الدول العربية بمقاطعة إسرائيل في عام ١٩٤٨، غير أن بعض الدول العربية، مثل مصر والأردن والسعودية والبحرين وعمان، لم تعد تعمل بها.  وفشلت جامعة الدول العربية في جذب الانتباه إلى انتهاكات حقوق الإنسان التي يتعرض لها الفلسطينيون، وفي التأثير على الرأي العام في الغرب.  وفي السبعينات، صدّقت الولايات المتحدة وعدة دول أوروبية على قوانين تمنع مقاطعة إسرائيل، وبررت ذلك باسم منع « المتييز ».

هذا عكس ما أنجزته حملة مقاطعة أفريقيا الجنوبية، التي نشأت في الخمسينات، وأدت إلى عقوبات دعمتها الأمم المتحدة ودول غربية كثيرة، بما فيها الولايات المتحدة.  هناك أوجه تشابه كثيرة بين نظام الفصل العنصري (الأبارتيد) في أفريقيا الجنوبية وبين النظام الصهيوني في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة.  لذلك تضم حركة المقاطعة الحالية شخصيات بارزة من مقاومي الأبارتيد، مثل (ديزموند توتو)، كبير أساقفة جنوب أفريقيا السابق والحائز على جائزة نوبل للسلام.

في عام ٢٠٠٥، في أعقاب قرار محكمة العدل الدولية الذي طالب بإزالة الجدار العازل الإسرائيلي، نادت ١٧٠ منظمة مدنية في فلسطين بمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، مستوحية إستراتيجية اللاعنف والتضامن الدولي من نجاح تحول أفريقيا الجنوبية.  وعلى نقيض المقاطعة التي كانت جامعة الدول العربية قد أدارتها، فإن حركة المقاطعة الحالية غير هرمية، وتعتمد على وسائل الإعلام الجديدة التي تتوافر على الإنترنت.  يبرز فيها جيل جديد من النشطاء الفلسطينيين في الشتات.  ونجحت في اكتساب تأييد منظمات مدنية كانت قد نشأت للاعتراض على الليبرالية الجديدة وعلى العسكرية الأمريكية المتمثلة في الحرب على العراق.  هكذا أصبحت حركة المقاطعة رمزاً للتضامن الدولي ولرفض العدوان العسكري والتمييز ضد العرب والمسلمين.  وقد جرت العادة على تسمية الجدار العازل الإسرائيلي « جدار الأبارتيد »، فيما ازداد عدد الذين ينادون بإحلال دولة علمانية ديمقراطية محل دولة إسرائيل.

تشارك حكومات محلية وشركات ونقابات عمالية وكنائس ومهرجانات سينمائية، في أوروبا وأفريقيا الجنوبية وكندا، في حملة المقاطعة.  ومثال ذلك بنك ASN الهولندي، الذي سحب استثماراته، في عام ٢٠٠٦، من الشركات التي تستفيد من الاحتلال الإسرائيلي.  وفي عام ٢٠٠٩، حمل طلاب في بريطانيا والولايات المتحدة جامعاتهم على سحب استثماراتها من إسرائيل.  وأعلن المنتدى الاجتماعي العالمي، الذي انعقد في البرازيل في عام ٢٠٠٩ وحضره مائة ألف شخص، تأييده لحملة المقاطعة.  ازداد هذا التأييد رغم المعارضة الشديدة التي يتعرض لها من يبرز في الحملة، من قِبَل القائلين بأنها لن تنجح، أو أنها تهدد السلام والأمن، أو أن مقاطعة الجامعات الإسرائيلية تخالف الحرية الأكاديمية، أو أن الدافع الأساسي للحركة هي كراهية اليهود.  وعلى سبيل المثال فإن الأستاذ البريطاني (ستيفن روز) اتُّهم بأنه « يهودي كاره لنفسه » عندما نادى، في عام ٢٠٠٢، بمقاطعة الجامعات الإسرائيلية، اقتداءً بالمقاطعات الأكاديمية التي كانت قد واجهت أفريقيا الجنوبية.

ترى المؤلفتان أن من ميزات حركة المقاطعة أنها توحّد الفلسطينيين، على اختلاف جنسياتهم وطوائفهم وأجيالهم.  وفي ظل عجز الأمم المتحدة عن معاقبة إسرائيل على انتهاكاتها للقانون الدولي، تؤكدان أن حركة المقاطعة قد تُعتبر « منظمة أمم متحدة من أسفل » تتحمل هذه المسؤولية.

2010/04/08

انتخاب باراك أوباما والتمييز العنصري في أمريكا

يرى بعض المراقبين الأمريكيين أن فوز باراك أوباما في الانتخابات الرئاسية لعام ٢٠٠٨ يبشر بحلول « عصر ما بعد العنصرية » في الولايات المتحدة.  غير أن (توماس پيتيگرو) يفند هذه الحجة في مقالته Post-Racism? Putting President Obama’s Victory in Perspective، الصادرة في عدد سبتمبر ٢٠٠٩ من مجلة Du Bois Review.

يشير پيتيگرو إلى أن الكثير من الأمريكيين البيض يتوهمون، منذ الستينات من القرن العشرين، أن حركة الحقوق المدنية ألغت أساس التمييز العنصري في أمريكا، ومن ثم يظنون أن الأمريكيين من أصل أفريقي هم المسؤولون عما قد يتبقى من عدم المساواة.  إلا أن آلاف الدراسات العلمية أثبتت أن التمييز العنصري الواعي وغير الواعي لا يزال موجوداً في أذهان الأمريكيين، وأن هذا التمييز يؤثر في السكن والتوظيف والعلاج الطبي وأحكام السلطة القضائية.  يؤكد پيتيگرو أن انتخاب أوباما خطوة كبيرة إلى الأمام بالنسبة للأمريكيين من أصل أفريقي، ولكن يجب تفسير هذا الحدث على ضوء الظروف السياسية، بما فيها من عنصرية.

يذكر المؤلف أن قانون حقوق التصويت لعام ١٩٦٥ مهّد لزيادة كبيرة، على مدى أربعين عاماً، في عدد السود في المناصب التي تشغل بالانتخاب.  صحيح أن أوباما استفاد من هذا التمهيد، بالإضافة إلى ذكائه وكاريزماه وحسن تنظيم حملته الاتنخابية، ولكن الحظ ساعده أيضاً طوال حياته السياسية.  ومثال ذلك انسحاب اثنين من منافسيه من انتخابات مجلس الشيوخ في عام ٢٠٠٤ بسبب فضائح جنسية، الأمر الذي مكنه من الفوز، مع أنه كان يحتل مركزاً متأخراً في استطلاعات الرأي.  وفي الانتخابات الرئاسية، ارتكب منافساه (هيلاري كلينتون) و(جون ماكين) أخطاء فادحة في حملتيهما الانتخابيتين.  واستفاد الحزب الديمقراطي بشكل عام من تراجع شعبية الرئيس بوش في نهاية ولايته.  ولكن العامل الحاسم قد يكون الأزمة الاقتصادية التي بدأت في عام ٢٠٠٨، خاصة وأن الكثير رأى أن أوباما أكثر قدرة من ماكين على التعامل معها.

لا عجب أن ٩٥ في المائة من الأمريكيين من أصل أفريقي انتخبوا أوباما، ولكن القارئ قد يدهش إذا علم أن عنصريين كثيرين انتخبوه أيضاً.  غير أن في حياة العنصريين هموماً أخرى قد تتغلب على عنصريتهم أحياناً، ويؤكد المؤلف أن هذا ما حدث في حالة الأزمة الاقتصادية.  ولعل مما ساعدهم على التغاضي عن لون بشرة أوباما أنه نادراً ما تحدث عن العرق، وأن لون بشرته فاتح نسبياً، وأن أمه كانت بيضاء، وأنه يختلف تماماً عن الصورة النمطية العنصرية للسود.  فكان من الممكن أن يعتبره العنصريون رجلاً أسود استثنائياً.

ساهم ضعف الحزب الجمهوري في فوز أوباما الانتخابي أيضاً، فإقبال الناخبين الجمهوريين على التصويت، وخاصة اليمينيين المتطرفين منهم، كان منخفضاً، بينما نجح الحزب الديمقراطي في جذب أعداد غير مسبوقة من الناخبين الديمقراطيين، وخاصة بين الشباب والأقليات العرقية، إلى مراكز الاقتراع.  ومما يفند فرضية « عصر ما بعد العنصرية » تصاعد الاعتداءات العنصرية أثناء الحملة الانتخابية، ومحاولات منافسي أوباما للربط بينه وبين صور نمطية عنصرية.  وصوّت كثير من البيض في الولايات الجنوبية (التي يتسم تاريخها بعنصرية شديدة)، وكثير من البيض المسنين، ضد أوباما لأسباب عنصرية.  إلا أن التغير الديموغرافي يقلل تدريجياً من العنصرية في الجنوب، مما سمح لأوباما بفوزه في ثلاث ولايات جنوبية.

يتوقع پيتيگرو أن تُضعِف رئاسة أوباما الصور النمطية العنصرية للسود في أمريكا.  ولكن هذا لن يحل المشاكل الهيكلية التي يعاني منها كثير من الأمريكيين من أصل أفريقي، مثل الفقر وسوء التعليم.  هذه المشاكل نتيجة مائتي عام من العبودية تلتها مائة عام من الفصل العنصري المقنن، وسيتطلب حلها تغييرات هيكلية قد لا يستطيع أوباما أن يقدم عليها في ولايته الأولى، التي تخيم عليها الأزمة الاقتصادية.

2010/03/07

يوم بلا مهاجرين

مَن يستحق الجنسية الأمريكية؟  تحلل (بينيتا هيسكانين) الجدل حول الهجرة إلى أمريكا في مقالتها ‎“A Day Without Immigrants”‎، المنشورة في ديسمبر ٢٠٠٩ في مجلة European Journal of American Studies والمتاحة للقراءة مجاناً على موقع المجلة.

تظاهر أكثر من مليون مهاجر في بعض المدن الأمريكية الكبيرة في الأول من مايو عام ٢٠٠٦، تحت شعار « يوم بلا مهاجرين »، احتجاجاً على « قانون حماية الحدود ومكافحة الإرهاب والحد من الهجرة غير الشرعية »، الذي كان مجلس النواب قد وافق عليه في ديسمبر ٢٠٠٥.  كان من شأن هذا القانون أن يجعل من الدخول غير الشرعي إلى الولايات المتحدة جناية يعاقب عليها بالسجن، وأن يؤدي إلى عسكرة الحدود الأمريكية المكسيكية وترحيل المهاجرين الذين لا يحملون وثائق والمهاجرين الذين يُعتبرون « إرهابيين ».  أحدث مشروع القانون ضجة في أنحاء الولايات المتحدة، لا سيما في أوساط المهاجرين، الذين غضبوا خاصة من الخلط بين المهاجرين والإرهابيين.  قال أحدهم: « إذا كنتَ مواطناً ولم تكن توافق على النظام اعتُبرتَ "ليبرالياً"، بينما إذا لم تكن تحمل وثائق ولم تكن توافق على النظام اعتُبرتَ "إرهابياً". »

اندرجت مظاهرات « يوم بلا مهاجرين » في سلسلة احتجاجات أشارت إلى محنة المهاجرين الذين يعيشون في أمريكا دون أن يحملوا الجنسية الأمريكية.  كان هناك ٣٧ مليون مهاجر شرعي في الولايات المتحدة آنذاك (ومعظمهم من أمريكا اللاتينية وآسيا ومنطقة البحر الكاريبي)، بينما كان ١٠-١٢ مليون مهاجر (أي ٤ في المئة من سكان البلد) يعملون دون تصريح عمل.  غير أن المظاهرات كانت لها عواقب غير مقصودة أيضاً.  فالمناقشات الحادة التي دارت حول هذه القضية كثيراً ما صورتها على أنها صراع بين مجموعات عرقية تتنازع حق البقاء في أمريكا.

تشير (هيسكانين) إلى أن العرق مفهوم محوري في تعريف الأمة الأمريكية منذ تأسيس الولايات المتحدة.  منح قانون التجنيس لعام ١٧٩٠ المهاجرين « الأحرار البيض » وحدهم الجنسية الأمريكية، ومن ثم ربط بين « البياض » وبين الانتماء إلى الأمة الأمريكية.  ورغم أن تعديل الدستور لعام ١٨٦٨ منح الأمريكيين من أصل أفريقي الجنسية الأمريكية، إلا أن الفصل العنصري بين « البيض » و« السود » ظل شرعياً حتى عام ١٩٥٤.  ألغى قانون الهجرة لعام ١٩٥٢ الأساس العنصري للتجنيس، ولكن الصلة بين « البياض » والانتماء القومي ظلت راسخة في الأذهان.  أما المهاجرون من أمريكا اللاتينية (« اللاتينيون ») فليس لهم موقعاً محدداً في التراتب العرقي الأمريكي، لأنهم لا يُعتبرون بيضاً ولا سوداً.  ورحبت الحكومة الأمريكية بهم تارة ورحّلتهم تارة خلال القرن العشرين، وفقاً للطلب على العمالة.

ثم تصف المؤلفة مظاهرات « يوم بلا مهاجرين ».  آلى المتظاهرون على أنفسهم أن يمتنعوا عن العمل والذهاب إلى المدرسة وشراء السلع الاستهلاكية لمدة ٢٤ ساعة.  تضامن بعض أرباب العمل مع المحتجين بينما هدد البعض الآخر عمالهم بالفصل إذا شاركوا في الإضراب.  شبّه قادة الاحتجاجات مظاهرات المهاجرين بالمظاهرات المشهورة التي كان الأمريكيون من أصل أفريقي قد قادوها في الستينات من أجل الحقوق المدنية، أي إلغاء التمييز العنصري.  وطالب المحتجون بتسوية الوضع القانوني للعمال الذين لا يحملون وثائق.  تعتمد الخدمات الأساسية في بعض المدن على هؤلاء العمال، فأحدث الإضراب الفوضى في هذه المدن، الأمر الذي نبّهت سكانها إلى أهمية هؤلاء العمال في حياتهم اليومية.  وأشار أنصار حقوق المهاجرين إلى التناقض بين حاجات الاقتصاد الأمريكي وبين سياسة الهجرة، إذ كان هناك ٥٠٠ ألف فرصة عمل للعمالة غير الماهرة في كل سنة في الولايات المتحدة، بينما كان الحد الأقصى لعدد التأشيرات لهذا النوع من العمالة ٥ آلاف.  تؤكد (هيسكانين) أيضاً أن السياسة الاقتصادية الأمريكية في أمريكا اللاتينية زادت من عدد المهاجرين المكسيكيين المتجهين إلى الولايات المتحدة.  فاتفاق التجارة الحرة لأمريكا الشمالية، الذي صدر في عام ١٩٩٤، أسفر عن انخفاض حاد للأجور في المكسيك، وتعطيل مليون مكسيكي في عام ١٩٩٥، مما دفعهم إلى الهجرة إلى الشمال.

أما خصوم المظاهرات فرأوا أن المسألة في أساسها مسألة قانونية، أي ضرورة إيقاف التعدي غير الشرعي لحدود البلد.  وعزوا الاحتجاجات إلى منظمات شيوعية (وكانت الشيوعية فزاعة اليمين الأمريكي في أيام الحرب الباردة)، واعتبروا المظاهرات بمثابة « ضربة ضد أمريكا »، أو مؤامرة مكسيكية لاحتلال جنوب غرب الولايات المتحدة.  أشار أحدهم إلى ارتفاع معدل مواليد اللاتينيين فشبّههم بـ« البكتيريا » التي تتناسل بسرعة، وقال إن من شأن ذلك أن يمكّنهم من « الاستيلاء على السلطة » في الولايات المتحدة.  مع ذلك فمجلس الشيوخ رفض مشروع القانون الذي كان قد أثار الاحتجاجات، وما زالت المسألة معلقة حتى الآن.  يسعى المعادون للهجرة، منذ عام ٢٠٠٦، إلى تأليب الأمريكيين من أصل أفريقي على اللاتينيين، فيقولون إن اللاتينيين « يسرقون » وظائف ينبغي أن يحصل عليها الأمريكيون من أصل أفريقي.  ولكن حركة مضادة ما لبثت أن نشأت لحث هاتين المجموعتين العرقيتين على التصالح والتعاون.

تزايد العداء للمهاجرين بعد مظاهرات مايو ٢٠٠٦، خاصة مع انكماش الاقتصاد الأمريكي، فزادت السلطات من جهودها الرامية إلى ترحيل المهاجرين غير الشرعيين.  أصدرت ولاية (كولورادو) قانوناً يجبر أفراد الشرطة على التبليغ لدائرة الهجرة عن أي شخص سمعوه يتحدث بالأسبانية.  اقتحمت الشرطة مصانع في جنوب غرب أمريكا فقبضت على مهاجرين غير شرعيين ورحّلتهم فوراً دون أطفالهم.  تكاثرت المنظمات المعادية للهجرة، وتعززت الجماعات العنصرية، وازدادت الاعتداءات على اللاتينيين.  وتشير (هيسكانين) إلى أن العداء للمهاجرين يقيّم الهجرة دائماً من وجهة نظر مواطنين يدّعون مناقشة المسألة من حيث « مصلحة الأمة ».

هكذا أدت مظاهرات « يوم بلا مهاجرين » إلى تعزيز العلاقات بين المجموعات العرقية من ناحية، وإلى اشتداد العنصرية وكره الأجانب من ناحية أخرى.  ترى المؤلفة، التي كتبت مقالتها خلال حملة الانتخابات الرئاسية في عام ٢٠٠٨، أن المفهوم الشائع لـ« الهوية الأمريكية » ربما أصبح أقل ثباتاً منذ عدة سنوات، وأن علاقته بالعرق ربما تتغير، ولكن يجب أن ننتظر المحاولة المقبلة للكونگرس الأمريكي لمعالجة مسألة الهجرة لكي نقدّر مدى هذا التغير.

2010/02/11

الحد من قوة الشعبوية

كيف يمكن الحد من السلطة التي تتيحها الشعبوية (populism) لبعض القادة السياسيين؟  يجيب (روبن ماكايكو تشيرامبو) على هذا السؤال في مقالته Democracy as a Limiting Factor for Politicised Cultural Populism in Malawi، المنشورة في العدد الثاني لعام ٢٠٠٩ من مجلة Africa Spectrum والمتاحة للتنزيل مجاناً. يشير (تشيرامبو) أولاً إلى أن المعنى العادي لكلمة « شعبوية » يدل على سياسة تعبر عن آراء عامة الناس ومصالحهم، بينما تلمّح هذه الكلمة، في العلوم السياسية، إلى محاولات اكتساب تأييد عامة الناس بوسائل دنيئة أو بالتضليل.  فتطرح الكلمة أسئلة عن صدق الساسة ونزاهتهم، وتلمّح إلى استغلالهم لأتباعهم.  وهذا المعنى السلبي هو ما يقصده (تشيرامبو) بكلمة « شعبوية » في هذه المقالة.

يذكر المؤلف أن الدكتور (هيستينگز كاموزو باندا) كان رئيس (ملاوي) مدى الحياة، في ظل نظام ديكتاتوري معتمد على حكم الحزب الواحد، منذ استقلال البلد في عام ١٩٦٤ حتى تأسيس الديمقراطية في عام ١٩٩٤.  سيطرت هذه الديكتاتورية على السكان بوسائل قمعية، مثل الاعتقال دون محاكمة، والرقابة الصارمة على والصحافة.  ويقال إن ميليشيات (باندا) كانت تعتقل أو تقتل أي شخص شكت في ولائه للزعيم.  ولكن النظام سعى أيضاً إلى الحصول على موافقة جزء كبير من السكان على حكمه.  فاستعان (باندا) برموز ثقافية، مثل الألقاب الفخرية التراثية والقومية والدينية التي أطلقها على نفسه لشرعنة زعامته: « الأسد »، و« الغازي »، و« الحامي الموفِّر »، و« أبو الأمة الملاويية »، و« موسى »، و« المنقذ »، إلخ.  وساعده وسائل الإعلام في ذلك، فكانت إذاعة القطاع العام تبث أغانياً تمدحه وتصفه بهذه الألقاب، خاصة في المناسبات الرسمية الرامية إلى تكريمه.  كانت هذه المناسبات تتضمن رقصاً تقليدياً كان الرئيس يشارك فيه، ليمثّل الأدوار التي تدل عليها الألقاب.

يؤكد (تشيرامبو) أن معظم الزعماء الأفارقة الذين قادوا بلادهم إلى الاستقلال استخدموا هذا النوع من السياسة الشعبوية.  فرغم أنهم تبنوا الديكتاتورية القائمة على حكم الحزب الواحد، إلا أنهم استعانوا برموز وممارسات ثقافية لشرعنة أنظمتهم أيضاً.  فتشبّهوا مثلاً بأبطال الماضي وادّعوا أنهم خلفاؤهم.  وادّعى (باندا)، كغيره من هؤلاء، أنه يحافظ على الثقافة القومية وهو في الحقيقة يجعل من ثقافته العرقية ثقافة قومية، ويقمع الثقافات الأخرى في بلده.  ظهرت انتقادات لشعبوية (باندا) أثناء التحول الديمقراطي، فأصبحت الألقاب الفخرية التي كانت قد أضفت عليه صورة المحارب الشجاع، مثل « الأسد »، تُعتبر أدوات كانت قد ساهمت في تبرير اعتقاله أو إعدامه لأبرياء دون محاكمة.  وأصبحت الأغاني السياسية التي كانت قد حضت على مدحه وعبادته تُستخدم لتأنيبه ولرفض مشروعية حكمه.

غير أن الشعبوية الثقافية لا تزال مفيدة في ظل الديمقراطية.  فالفساد السياسي متفشٍ في الانتخابات، فلا تكفي لشرعنة الزعماء.  لذلك لا تزال الأنظمة تحاول استعمال الشعبوية الثقافية لتعزيز مشروعيتها.  فأطلق الرئيس الحالي (بينگو وا موثاريكا) على نفسه بعض الألقاب الفخرية التي كان (باندا) قد استخدمها، ولا يزال يستعين بالرقص التقليدي في المناسبات الرسمية.  ولكن المؤلف يؤكد أن آليات الديمقراطية تحد من فاعلية شعبوية (بينگو)، لأنه لا يتمكن من التصرف في الأموال العامة ووسائل الإعلام لتعزيز صورته، ولا من استخدام وسائل القمع التي كان (باندا) يلجأ إليها ليجبر الناس على الولاء لشخصه.  علاوة على ذلك فبإمكان المواطنين، في ظل النظام الديمقراطي، أن ينتقدوا الرئيس ويسخروا منه، ومن أدوات الشعبوية الثقافية مثل الألقاب الفخرية، مما يقلل من فاعلية هذه الأدوات.  وبشكل عام فإن سنوات الديكتاتورية الطويلة جعلت كثيراً من الناس، وخاصة الصحافيين، يشككون في الشعبوية في حد ذاتها، فيرون أنها ليست إلا قناعاً يخفي الفساد السياسي والاستغلال.

2010/01/19

الحلم الأفريقي وتصاعد العنف العنصري في روسيا

تعصف موجة من الكراهية العنصرية بالأفارقة في روسيا.  ويفحص (ماكسيم ماتوسيفيتش) جذور هذه الكراهية في مقالته Probing the Limits of Internationalism: African Students Confront Soviet Ritual، المنشورة في عدد خريف ٢٠٠٩ من مجلة Anthropology of East Europe Review والمتاحة للتنزيل مجاناً.

اتجهت أعداد متزايدة من الشباب الأفارقة إلى الاتحاد السوفييتي للدراسة في الستينات من القرن العشرين.  سعى الاتحاد السوفييتي إلى اجتذاب الطلاب الأفارقة لتعزيز مكانته وشعبيته في العالم الثالث في فترة إنهاء الاستعمار، في ظل حكم نيكيتا خروشوف الذي تولى السلطة في عام ١٩٥٣ بعد موت جوزيف ستالين.  وتعارضت هذه السياسة الجديدة مع الشوفينية المتشددة التي كانت قد اتسمت بها السنوات الأخيرة لحكم ستالين.  فذهب أكثر من ٣٠ ألف شاب من أنحاء العالم إلى موسكو لحضور المهرجان الدولي للشباب في عام ١٩٥٧، ومنهم وفود أفريقية، الأمر الذي بهر المواطنين السوفييت، الذين لم تسنح لهم فرصة لقاء أحد من أفريقيا قط.  ترددت شائعات بأن الفتيات الروسيات كن يقبلن على الضيوف الأفارقة.  وأتى هؤلاء الضيوف بالأنواع الفنية والأفكار السياسية المعاصرة التي كان السوفييت منعزلين عنها آنذاك.  ارتفع عدد الطلاب الأفارقة في الاتحاد السوفييتي إلى ٥ آلاف في نهاية الستينات، وإلى ٣٠ ألف في عام ١٩٩٠.  ولم يكن معظمهم ملتزمين بالماركسية، بل كانوا يميلون إلى انتقاد النظام السوفييتي الراكد، خاصة وأن كثيراً منهم أتوا من بلاد تفيض بالنشاط السياسي والحماسة الثورية.

اشتكى الطلاب الأفارقة من سوء أوضاعهم المعيشية، والاعتداءات العنصرية التي تعرضوا لها، بالإضافة إلى القيود المفروضة على السفر داخل الاتحاد السوفييتي، وعلى إقامة العلاقات العاطفية بالفتيات الروسيات، وعلى تشكيل المنظمات الطلابية الوطنية والعرقية، وعلى تداول الكتب والأسطوانات الموسيقية.  فقاموا بمسيرة احتجاج أمام الكرملين في عام ١٩٦٣ مطالبين بـ« وثيقة حقوق » للطلاب الأفارقة، وكانت هذه أول مظاهرة غير مصرح بها في الاتحاد السوفييتي منذ ٣٦ عاماً.  وعانوا بشكل عام من ملل الحياة السوفييتية وكبت الحريات الثقافية والسياسية التي كانوا قد تعودوا عليها في أفريقيا.  فاعترضوا على الوضع الراهن في حين كان مواطنون سوفييت أقلاء يجرؤون على ذلك، فاستقطبوا المعارضين.  واستحسن هؤلاء المعارضون الأنواع الفنية المرتبطة بالتراث الأفريقي، مثل موسيقى الجاز، مما أثار غضب السلطات، التي هاجمت الجاز بأبشع نوع من الصور النمطية العنصرية.  فتبنّى المعارضون فكرة أفريقيا رمزاً للمعارضة، خاصة في الثمانينات، قُبيل انهيار النظام السوفييتي.

ولكن البيريسترويكا، أي الإصلاحات الاقتصادية التي أطلقها الرئيس السوفييتي ميخائيل غورباتشوف بعد منتصف الثمانينات، أدت إلى انتقاد مساعدة الاتحاد السوفييتي لدول العالم الثالث.  فقال أنصار البيريسترويكا أن هذه الدول كانت تتطفل على الاتحاد السوفييتي، وأن هذا هو سبب التخلف الاقتصادي السوفييتي.  واستندت هذه الحجة على صور نمطية لأفريقيا كانت معتمدة على الاعتقاد الخاطئ بأن الحياة هناك سهلة لا عمل فيها.  ازداد عدد الاعتداءات العنصرية على الطلاب الأفارقة.  وعندما تفشى الخوف من الإيدز لدى السوفييت، دأبت الصحافة على نشر معلومات غير علمية تحمّل الأفارقة مسؤولية انتشار المرض.  سرعان ما أصبح الأفارقة كبش فداء للمشاكل الطبية والاقتصادية والسياسية السوفييتية.  ومهّد هذا لانسحاب الاتحاد السوفييتي من أفريقيا ولموجة العنصرية وكره الأجانب التي انطلقت في روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

2009/12/15

اعتبار الجنسية نوعاً من رأس المال

لماذا لا يحصل كثير من المهاجرين إلى البلدان الغنية على الوظائف التي هم أهل لها؟  من المعروف أنهم عرضة للتمييز والاستغلال، ولكن ما هو السبب؟  يفسر (هارالد باودر) هذه الظاهرة في مقالته Citizenship as Capital: The Distinction of Migrant Labor، المنشورة في عدد يوليو-سبتمبر ٢٠٠٨ من مجلة Alternatives: Global, Local, Political.

يعتمد تحليل (باودر) على نظرية (بيير بورديو) الاجتماعية.  ويذكر أن هذه النظرية تقسم رأس المال إلى أنواع مختلفة، مثل الاقتصادي والثقافي والاجتماعي والرمزي.  من لديه رأسمال من نوع معين يمكنه أن يحوله إلى نوع آخر في ظل ظروف معينة.  ويستخدم الأفراد كل أنواع رأس المال في استراتيجيات للتميز عن غيرهم.  من ثم يساهم رأس المال في آليات الإدماج والإقصاء الاجتماعييْن وفي الحفاظ على النظام الاجتماعي.

يذكر المؤلف أيضاً أن الرأسمال الثقافي قد يأخذ شكلاً مجسداً، فيعبر عنه جسد المرء من خلال تعابير وجهه وأسلوبه في الحديث أو في تناول الأكل، على سبيل المثال.  وقد يأخذ شكلاً مؤسسياً أيضاً، فيتحول إلى شهادات جامعية، ثم إلى فرص عمل وبالتالي إلى ورأسمال اقتصادي.  وتختلف وسائل إنتاج رأس المال، ووسائل تبادله وتقدير قيمته، من مكان إلى مكان، وبالتالي فالرأسمال الذي كسبه المهاجر في منشئه قد لا يكون له قيمة في البلد الذي هاجر إليه.  وعلى سبيل المثال فالمهاجر الذي ليس لديه الرأسمال الثقافي المطلوب في سوق العمل، سواء في شكله المجسد أو المؤسسي (إذا لم تعترف الدولة بشهاداته الأجنبية مثلاً) قد يتعرض للاستبعاد من الوظائف المرموقة.  وعلاوة على ذلك فإن سكان البلد الذي هاجر إليه قد يتعمدون التميز عنه من خلال خلق أنواع من رأس المال يصعب عليه منالها.  ويؤكد (باودر) أن الجنسية أحد هذه الأنواع من رأس المال.

ثم يقسم الجنسية إلى نوعين: الرسمية وغير الرسمية.  أما الجنسية الرسمية فهي التي يتم تسجيلها في جواز السفر مثلاً، على أساس مبادئ تختلف من دولة إلى دولة على حسب مصالح نخبها.  فتحدد بعض الدول، مثل كندا، الجنسية وفقاً لمبدأ مسقط الرأس، فيما تحددها دول أخرى، مثل ألمانيا قبل سنة ٢٠٠٠، وفقاً لمبدأ النسب.  فكانت ألمانيا تمنح أي مهاجر الجنسية الألماينة إذا كان منحدراً من ألمان، حتى لو كان أسلافه قد غابوا عن ألمانيا لمدة مئات السنين، بينما كانت تمنع المهاجرين الآخرين، وحتى أطفالهم المولودين في ألمانيا، من الحصول على الجنسية الألماينة.  ثم تبنّى قانونُ الجنسية الألماني الجديد، الصادر في عام ١٩٩٩، مبدأ مسقط الرأس إلى حد ما.

قد يستخدم المهاجرون أنفسهم الجنسية في استراتيجيات للتميز.  ومثال ذلك العائلات الغنية التي هاجرت من شرق آسيا إلى كندا وحصلت على الجنسية الكندية مقابل استثمار قدره ٤٠٠ ألف دولار كندي أو تأسيس شركة في كندا.  قد يتحول تعدد الجنسيات إلى أنواع أخرى من رأس المال، مثل الرأسمال الاقتصادي (من خلال اتساع فرص التعامل التجاري) والرأسمال الاجتماعي (من خلال تكوين علاقات شخصية ومهنية في أكثر من بلد) والرأسمال الثقافي (من خلال تعلم لغات وفرص للدراسة).  وقد ترمي استراتيجيات الدول واستراتيجيات المهاجرين إلى أهداف متعارضة.  حصل مهاجرون لبنانيون كثيرون على الجنسية الكندية في العقود الأخيرة لأنها وفرت لهم قدراً من الحماية السياسية عند عودتهم إلى لبنان.  وأخلت الحكومة الكندية ١٥ ألف كندي لبناني من لبنان في أعقاب الغزو الإسرائيلي في عام ٢٠٠٦، مما أثار السخط لدى كنديين كثيرين رأوا أن هؤلاء يريدون « مزايا الجنسية الكندية دون حمل أثقالها ».

ولكن الجنسية الرسمية تمثل في الغالب آلية تستبعد المهاجرين من سوق العمل أو تضعهم في مرتبة دنيا فيها.  لا تعترف ألمانيا بالشهادات الأجنبية للمهاجرين إلا إذا كانوا من أصل ألماني، وتحدد حقهم في الحصول على تصريح عمل على حسب جواز سفرهم.  وتستعين ألمانيا منذ زمن طويل بعمالة أجنبية مؤقتة لا تحظى بحرية اختيار المهنة أو صاحب العمل، وتتقاضى أجوراً أدنى من المعايير الألمانية، ولا تحصل على الرعاية الاجتماعية والاقتصادية المتاحة للعمال الألمان.  كما تحرم كندا المهاجرين الذين ليس لهم وضع قانوني من الرعاية الاجتماعية والصحية، على الرغم من أن كثيراً منهم يدفعون الضرائب.  وإذا تعذر للمهاجر الدخول إلى الاقتصاد الرسمي لأنه ليس مواطناً، فقد يُضطر إلى العمل في الاقتصاد غير الرسمي، حيث لا يخضع العمل للقوانين، وبالتالي فالأجور منخفضة والتعسف منتشر.

أما الجنسية غير الرسمية فهي التصنيف القومي الذي ينتمي إليه المرء أو الذي ينسبه إليه الآخرون، مهما كانت جنسيته الرسمية.  وتساهم الجنسية غير الرسمية في التمييز ضد المهاجرين، فإنهم قد لا يُعتبرون من أبناء الوطن حتى لو كانوا مواطنين.  قد يكون هذا التمييز عنصرياً، وقد يتم أيضاً على أسس غير عنصرية، إذا لم يتمكن المهاجر من بعض العادات المحلية، أو تحدّث بلكنة.  يدخل هذا في باب ما يسميه (بورديو) التطبع، أي استعدادات المرء ومخططاته المعرفية، التي تنعكس على حديثه وحركات جسده.

يؤكد المؤلف أن التمييز على أساس الجنسية غير الرسمية يحد من فرص عمل المهاجرين.  وعلى سبيل المثال فإن موظفي وكالات التوظيف في كندا يوجهون المهاجرين من شرق آسيا إلى وظائف متدنية الأجر، ويخصصون المناصب المرموقة لمن يجسدون الصورة النمطية للانتماء القومي الكندي.  وتنعكس آليات التمييز على الإعلام، فتعتمد تغطية الإعلام الكندي للعمل الزراعي الموسمي على فكرة أن هذا العمل أكثر الخطورة وإجهاداً وإهانة من أن يجوز قيام العمال الكنديين به، وأنه يجوز مع ذلك أن يقوم به مهاجرون من المكسيك ومنطقة البحر الكاريبي.

ويقول (باودر) في خاتمة المقالة إن اعتبار الجنسية نوعاً من رأس المال يسهّل تفسير إحجام الدول الغنية عن تجنيس المهاجرين، وحرصها على الاستعانة بعمال أجانب مؤقتين بشكل دائم.  إن حرمان المهاجرين من الجنسية الرسمية أو غير الرسمية يجبرهم على قبول أجور لا تتناسب مع العمل الذي يقدمه لاقتصادات البلدان الصناعية.  فتساهم الجنسية في الحفاظ على الامتيازات الاقتصادية التي تتمتع بها الدول الغنية.